ينتظر جميعكم مني الآن، ومن خلال الكلمات الآتية أن أعترف بسرقة قمت بها أليس صحيحًا؟ حسنًا.. سأحدثكم عما حصل، وحاولوا التخفيف من أحكامكم عَلَيّ، وكونوا على قدر من الذكاء، واستخلصوا العبرة.

«أنا: شكد سعر العلاج بلا زحمة؟ ما هو سعر الدواء؟ هو: 6000 دينار ونصف. أنا: تفضل عيني شكرًا جزيلًا».

ألقيت هذه الكلمات على مسامع الصيدلاني، الذي اشتريت منه دواء لوالدتي، في منطقة الجادرية وسط بغداد، وقبل خروجي بلحظات دخلت امرأة للصيدلاني وخرجت أنا.

كنت ذاهبًا مع أسرتي لأحد مناطق بغداد، بنزهة مسائية، أمضينا وقتًا ممتعًا، وعدنا ليلًا، وصلت إلى البيت، وما إن اتّصل هاتفي بشبكة الإنترنت؛ حتى أسرع بالرنين، ولا يكاد يلحق بإطلاق تنبيهات الرسائل من مختلف تطبيقات التواصل الاجتماعي الموجودة بهاتفي يا إلهي! ماذا حصل؟ لم أتلق هذا الكم من الرسائل في فترة واحدة طوال حياتي! أحسست أن أمرًا كبيرًا، قد حصل ربما هكر، أو غير ذلك، سارعت وفتحت الرسالة الأولى من أحد الأصدقاء جاء فيها: «متكلي أنت شجابك هنا وبهذا الوقت»؟ أي ما الذي أتى بك إلى هذا المكان في هذا الوقت؟، وكان مع الرسالة مقطع فيديو، بدأت بمشاهدة الفيديو وإذا به مقطع يصور حادثة سرقة ونصب واحتيال، قامت بها امرأة، ويظهر بجانب المرأة «أنا»! نعم أمعنت النظر فإذا بالملابس نفسها التي ارتديتها اليوم في خروجي، دققت فإذا بالمكان الصيدلية التي اشتريت منها الدواء، والمرأة التي بجانبي هي تلك التي دخلت للصيدلية أثناء شرائي للدواء. كان الفيديو قد انتشر سريعًا، وتناقلته صفحات التواصل في الفيس بوك بسرعة، أكملت قراءة الرسائل فإذا بها عن نفس الحدث وهو ظهوري في الفيديو، إلا أن مضامينها كانت مختلفة منها: «صاير عصابجي أي فرد في عصابة، لازم الشغل موزين هالأيام وفكرت تكون نفسك من ورة هاي الشغلة»، عملي ليس به مردودًا ماليًا جيدًا، فذهبت لأعمل مع العصابات والسرقة… إلخ. كانت مضامين رسائل أصدقائي للمزاح والتهكم.

استمرت ردود الأفعال على هذا الفيديو لوقت ليس بالقليل، فمن استطاع بعث برسالة، ومن التقاني حدثني وجهًا لوجه، إلا أن هناك تعليقات على الفيديو في بعض الصفحات التي نشرته، اتهمتني بأني متعاون مع هذه المرأة؛ لتنفيذ السرقة أو عملية الاحتيال، وكثرت التأويلات أيضًا، وكنت أقابل هذه الكلمات مبتسمًا، وأخوض في الصفحات؛ بحثًا عن اتهامات جديدة.

رويت لك هذه الحادثة يا صديقي ليس لشيء عن نفسي، وإنما مثال بسيط لسرعة حكمنا على الأفعال والأشخاص، فكم من شخص لا تحبه لمجرد فعل واحد صغير، وكم أخذت فكرة سيئة عن شخص بأنه مخادع أو لم يعجبك مظهره، وبدأت تعامله على هذا الأساس، ربما طوال حياتك وهو لا يستحق هذا، فتأخذ بمعاملته بقسوة أو بشيء من النفور، وكأنما فعله الصغير أو مظهره يعطيك الحق بأن تصدر عليه حكمًا مدى الحياة. فهل تعتقد أنك عادل يا صديقي؟ كلا! إنك بهذا تكون ظالمًا، ولا شيء أشد من الظلم هولًا، نعم.. لأنك نفسك تكره الظلم، ولا تقبل أن يظلمك أحد.

خذ برهة من الوقت أينما كنت، وحاول أن تراجع نفسك، تكلم معها، تذكر ما فعلته بالأمس، ماذا وجدت؟ ألم أقل لك؟ أنا وأنت نحاول قدر المستطاع أن نخفي أخطاءنا عن الناس؛ خشية الملامة، أو العقوبة، والشجاع فينا هو من يعترف بها، فهل أنت جبان؟ فـالاعتراف بالذنب فضيلة، كلنا نرتكب الأخطاء، وأحيانًا تكون جسيمة، ولا أحد منزه عنها؛ فالخطأ وُجد مع النفس البشرية، فكم من خطأ ارتكبته ووجدت من غفر لك أولهم ربك، والثاني الناس، فرغّب نفسك، ودربها على غفران أخطاء الآخرين، ولا تُطلق أحكامًا سريعة ومؤبدة. وتذكر قصة السيد المسيح -عليه السلام- عندما أراد الناس رجم امرأة متهمة بالفاحشة، وأرادوا أن يحرجوا المسيح بأن يشارك هو في رجمها، فلما رآهم يتعاملون معها بقسوة، وكأنهم بريئين من كل ذنب، قال لهم مقولته المشهورة «مَنْ منا بلا خطيئة…» فلما قالها، رجعوا فلم يرجمها أحد.

أنصت أكثر مما تتكلم، فلن تندم على كلمة لم تنطق بها، وإن أردت التحدث فأحِط بكل جوانب الموضوع قدر المستطاع، وبهذا تكون مثل المحامي الذي لديه أدلة دامغة إن تعرض للتكذيب، لا تأخذ حديثًا مجتزئًا، ولا تنقل عن الآخرين، ممن يحبون لغو الكلام، وأنصحك أيضًا بألا تكون قاضيًا على الناس أبدًا، فستجد من يقاضيك يومًا.

ابتعد قدر المستطاع عن الخوض في كلام الفضائح؛ لأنه حتما سيؤدي بك إلى إطلاق أحكام سريعة، فالخوض في لجة هذه المواضيع الصفراء المظلمة، سيكون متعبًا، ولن تجني منه شيئًا، وسيكثر من هفواتك وظلمك، وأنت لا تحب الظلم.

في نهاية حديثي أطرح عليك عرضًا، ولك خيار القبول أو الرفض، خصص جزءًا بسيطًا من وقتك لمراجعة نفسك، وإعادة النظر بأحكامك على كل من أسرتك، وأقربائك، وأصدقائك، وزملائك، وأخيرًا مجتمعك. ولا أعتقد بأنك ستخسر شيئًا إن فعلت هذا، فهو لمنفعتك، فامنحني ثقتك، فأنا لست لصًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد