منذ أزيد من عام غادرت وبشكل نهائي موقع التواصل الاجتماعي الشهير “فيس بوك”، لم يكن الأمر سهلا في البداية، بالرغم من أنني لم أكن مهووسة جدا بالموقع، لم أكن أضع الكثير من المنشورات ولم يكن لدي آلاف الأصدقاء على قائمتي  ولا حتى متابعين، ولم استخدم خاصية الشات أو الماسنجر أبدا، لم أكن أقضي فيه ساعات طويلة في اليوم ولكن دخولي ولو لنصف ساعة في اليوم كان يقلقني ويقض مضجعي لسبب لم أفهمه.

بقيت لأسابيع طويلة أغلقه لأيام, ثم أعيد فتحه, كان هناك الكثير من الأشخاص الجميلين في قائمتي، كتاب وشعراء وصحفيين ومثقفين ومهتمين بالأدب، تلك القائمة المتنوعة الزاخرة بالجمال, هي كل ما يمكن أن يحتاجه شخص ملول مثلي ليبقى في تلك المدينة الزرقاء التي بدأت تصيبني بالغثيان, ولكن بالمقابل كان هناك أيضا الكثير من الأشخاص الذين أعتقد حتى الآن أن مكانهم الطبيعي هو مصح للأمراض النفسية، أولئك الذين لا يمكن أن تتجنبهم، قد يكونون أفرادا من عائلتك أو أقاربك أو معارفك أو أشخاصا لا تعرفهم حتى ولكنّك تتحرّج أن تردهم وهم يطرقون باب صداقتك.

كانت هناك الكثير من الأشياء التي دفعتني بسخاء لكي أغادر الموقع، كمية كبيرة من الاستعراض والوهم والنفاق والتصنّع والتملق اللامحدود، كانت الكثير من الأفكار تدور في رأسي. لماذا أقضي تلك الساعات كلها في الأسبوع في عالم مارك الأزرق الذي سجن فيه مليار شخص، ما الذي أفعله هناك، بينما لدي الكثير من الأفكار والمشاريع والمقالات والدروس والأشياء التي ينبغي أن أهتم بها؟

ماذا يفعل مارك زوكربرج الآن؟ إنه يستلقي في حوض السباحة يداعب كلبه ويشرب عصير البرتقال الطازج، وبين الفينة والأخرى يراقب ذلك العداد على جهازه ليعرف كم دولارا أضاف له دخولي إلى مدينته الزرقاء. بل كم دولارا يضيف له دخول مليار مستخدم في جيبه!

كنت أخاطب نفسي ما هي الخطة؟ إنني بمثل سن مارك تقريبا وهو الآن يمتلك 46 مليار دولار وصنّفته فوربس ضمن الخمس الأوائل في العالم من أثرى أثرياء التقنية، لقد كنت مجنونة, وكنت أعتقد أنني أبالغ قليلا في قلقي, فأنا غالبا ما أبالغ في كثير من الأمور، لكن المبالغة الحقيقية هي أنني لم أفعل شيئا سوى أنني هدرت وقتي الثمين كي أجعل ثروته تتعاظم.

بالتأكيد كان زوكربرج في تلك الأيام من ألد أعدائي, كانت رؤية صورته أو قراءة خبر عنه يشعرني بالاستياء، كما يشعر أي سجين بالكراهية تجاه سجانه, لكن الفرق هي أنني مثل الجميع دخلت السجن باختياري، كنت أفكر بجدية في مغادرة “فيس بوك” ولكن السبب الوحيد الذي كان يمنعني هو أنني لن أتمكن من معرفة أخبار الكثير من الأصدقاء والاطمئنان عليهم. وجاء ذلك اليوم الذي نشر فيه مارك كلاما مثيرا للاهتمام، تحديدا بعد هجمات شارلي إيبدو في باريس, وقال إنه منذ سنوات تلقى تهديدا بالقتل من طرف باكستانيين لأنه لم يقم بحذف محتوى مسيء لـ “محمد”, وتعهد مارك بأنه سيلتزم بجعل فيس بوك مساحة لحرية التعبير والأفكار حتى يكون العالم مكانا أفضل.

وبدا بالنسبة لي أن هذا الشاب المدلل الذي منحتُ وغيري موقعه الكثير من الوقت, وشاركت عشرات المرات في تفعيله بدخولي يوميا إليه لا يعرف المعنى الحقيقي لحرية التعبير, والآن يمكنني أن أذهب إليه وأبصق في وجهه, ثم أخبره أنني فعلت ذلك لأنني أعبّر عن رأيي بكل حرية، حتى يصبح هذا العالم مكانا أفضل!

انتهى عصر فيس بوك بالنسبة لي في ذلك اليوم, وكتبت رسالة اعتذار ووداع للجميع, وأرسلت ما استطعت من رسائل للأصدقاء, تركت فيها عنوان بريدي الإلكتروني، وبينما كنت أقوم بجدية بإجراءات حذف الحساب ظهرت لي رسالة تخبرني أنني يمكن خلال 14 يوما أن أقوم بتسجيل الدخول في أي وقت لألغي الحذف، كان ذلك الأمر سيكون أشبه بالعودة إلى الجحيم. ضغطت خيار حذف وتنفّست الصعداء.

كنت قد سجلت في فيس بوك منذ العام 2008 وبدأت باستخدامه فعليا في العام 2009، دخول فيس بوك يوميا ولو لساعة واحدة لمدة خمس سنوات كان أكبر مضيعة للوقت، قرابة 1800 ساعة من العمر أي حوالي 75 يوما في الاطلاع على ما يفعله الآخرون، تخيل أن تجلس في شرفة بيتك لمدة 75 يوما دون حراك تراقب المارة والموظفين والأطفال والسيدات والباعة والسيارات والدراجات النارية، تراقب العالم وأنت جالس لم تبرح مكانك!  ما الذي يمكن أن ينجزه المرء خلال 1800 ساعة غير أن يهدر حياته في مراقبة حيوات الآخرين؟

ومِثل محارب يعرف أنه خاض معركة خاسرة منذ خمس سنوات, وضعت أمامي كل ما فعلته واعتذرت لنفسي كثيرا، وفكرت فيما سأفعله لأصحح أخطائي الكبيرة في حق نفسي بعيدا عن زيف العالم الأزرق. كان أهم إنجاز حققته بعد مغادرتي له هو أنني استعدت حياتي الفعلية، عدت للقراءة بنهم كما في السابق، فبدل قضاء نصف ساعة على فيس بوك يمكنني أن أقرأ 10 صفحات من كتاب مفيد، بدأت بالكتابة مجددا، استعدت أيضا عافيتي النفسية, فقلبي الصغير لم يكن يتحمل تلك القصص السخيفة التي كان البعض يتحدث فيها عن أدقّ تفاصيل حياته على فيس بوك, تلك القصص التي تشبه: سأذهب لجلي الصحون/ لقد اشتريت حذاءً من زارا, أخبروني ما رأيكم به/ أكلت النودلز اليوم في مطاعم كنتاكي/ زوجتي أعدت لي البيتزا/ سأذهب لاصطياد الحمام غدا!

شعرت بالصفاء أكثر، أصبح لديّ الكثير من الوقت الإضافي، تعلمت الكثير من الأشياء والمهارات حول ريادة الأعمال والتسويق والكتابة والعمل الحر، حضرت دورات تدريبية، أصبحت أكثر إنتاجية وقابلت أشخاصا جددا، كان أغلبهم يسألني عن حسابي على فيس بوك كي يضيفني، يدهشني حقا أن الكثيرين يعتقدون أنهم لا يمكنهم التواصل معي إلا من خلال فيس بوك، ينذهلون إذا أخبرتهم أنني لست كائنا فيسبوكيا، يعتقدون أن الإنسان المعاصر يجب أن يمتلك حسابا على فيس بوك وإلا فسيحكم عليه بالتخلف.

كنت أبتسم برضًى كبير وأعلم في قرارة نفسي أن خروجي لم يشكّل فرقا لدى مارك زوكربرج أو باقي المساهمين, ولكنه شكّل فرقا كبيرًا لديّ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد