لعل الأمر استمرَّ هكذا فترة، فِكرةُ كفالة اليتيم وقدرها تُشبع فينا تعاطفًا تامًا فنتفاعل معهم ونتعاطف جدًا، كان أمر حسن جدًا أن أعلم أن هناك من يستقطع من وقته ليكفل يتيمًا ويراعيه ويُوهبه شيئًا مما فقد.

ولكن، بمرور الوقت عرفت يا سادة أن الناس في بلادنا يُحسون بقلوبٍ غير التي يعملون بها، ويستطيع كثير منهم الفصل التام بين ما يسمونه عمليّة الحياة وعاطفتها، حتى يستغرقوا في ذلك وينقسموا هم بداخلهم، فتستوحش فيهم الغائية، وما يلبثون أن يكونوا ترسًا يعمل فقط، دون أدنى إحساس!
ولعلّ ما يعملونه أحيانًا، عملًا غير ربحيّ، هم أسموه عملًا تطوعيًّا إنسانيًّا – هكذا يقولون- منها فكرة كفالة اليتيم.

كان الأمر جيدًا جدًا عند حدّ كفالة اليتيم وفقط، ولو كان شعورنا أحيانًا بلا مشاعر، لكن الأسى بدأ لما تحوّل الأمر إلى سعي مثلًا لنيل لقب سفير النوايا الحسنة هذا – لقبًا حقيقيًّا أو مزحة بين الأصدقاء- أو “شو” إعلامي يرفع من قدر صاحبه، وقد يكون فرصة للترويج والدعاية. وهكذا حتى وصلنا في النهاية إلى صورة تُرفع على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مع كلمة ودمعة في يوم اليتيم!

أمر مستفز جدًا أن يُسمى أحدهم يومًا “يوم اليتيم” ولا أعلم الغرض الإنساني وراء ذلك، ليست تذكرة بهم أبدًا فنحن نراهم يوميًّا في شوارعنا – ومنّا من ينهرهم- فكيف ننساهم؟ وإن كان لأجل ثواب كفالة اليتيم فقد ورد أنه لـ”كافلهم” وقد ذُكر في 33 موضعًا في القرآن، لا في يوم واحد في السنة!

أي رخصة أخذها هؤلاء ليُذكّروهم كل عامٍ بمعاني اليُتم، يُذكروهم أنه لا أحد منهم يملك في الحياة حقّ كفالةٍ من أحد، فاليوم نحن نكفلهم، وباقي السنة لا حق لهم علينا! مات أبوهم وأمهم – وللموت أنواعٌ- ولم يعودوا كرفاق عمرهم أبدًا مهما امتثلنا نحن ذلك، بأي حقٍ نجرح داخل كثير منهم، ونقحم شعورهم بالأنفة والكبرياء؟

تعرفت منذ أربعة أعوام على طفل في دور أيتام يُدعى: “محمد” ويسميه إخوانه في الدور بالساكت! ظل طويلًا لا يتكلم معي إلى أن أخبرني مرة قبل “خروجة يوم اليتيم”: “أنا مش يتيم”.

كانت الكلمة تلقائية جدًا ومُعبرة لأبعد مدى، هو يُنكر كونه يتيمًا، لا المعنى الحرفي، بل المعنى الذي أوصلناه نحن لهم، كان في نظري الترفع هذا أكبر دليل على معاني اليتم التي تغلغلت فيه فعفّته أن يكون مثل باقي الأطفال، كبُر كثيرًا جدًا، والكبر لا يكون أبدًا كبرًا عمريًّا.
منذ هذا اليوم أيقنت فعلًا أن مسألة يوم اليتيم غير إنسانية بالمرة، وكفالته لا تُدار هكذا، ليست بمثل هذه الطريقة تُحسّ الأمور – هنا يلزم إحساس لا إدارة- فكيف أغمرهم في “يومٍ” بمشاعر فياضة – ولو مصطنعة- وأتبادل معهم الضحكات والقهقهات واللعب – ولعل ما أفعل لإسعادي لا لإسعادهم أصلًا- وأخرجهم وأبهجهم، حتى ينقضي اليوم، فيعود كلٌ منا لبيته فيأوي إلى قلبِ أمه وكفالة أبيه، ويعودُ الأطفال إلى دورِ أيتامٍ تكفلهم بكل ما نسمع عن مآسي إنسانية تحدث هناك!

فهؤلاء “الأيتام” مات لديهم إحساس اللعب الخالص، والضحك الخالص الذي يميز الأطفال، فأخرجناهم من كنف الطفولة إلى اليُتم والأسى ومعانتهم، وإن خرجوا للمجتمع بعد فترة من التدمير النفسي لهم بداخل دور الأيتام وحوشًا ثمِلت من إحساس الحاجة الذي لا نكف عن تصديره لهم؛ فلهم الحق كل الحق!

أن تهتم بيتيم هذا أمر جميل وإنساني ورائع، ولك الأجر والثواب، لكن لن يزيد أجرك إذا تاجرت بمرافقتك لهم، وأعني مرافقة لا تقضية واجب يوم لأنه لم يوجبك أحد به، إن أردت أن تخرج معهم في “يوم اليتيم” فهي حُريتك، ولكن الأفضل له ولك أن تكفل أحدهم ولو معنويًّا، تكفله بصفة دائمة فلا ترحل مثل الذين دومًا ينشغلون فيرحلون، تكون بالنسبة له أحد المضمون بقائهم، والذي حُرم هو منهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طفولة, مجتمع, يتيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد