أنا مش ابن وزير
#وسطتك_مين

لم أعلم حياتي منذ الصغر أن تعيش بدون الواسطة أو المحسوبية أو المسمى المفضل لدى المصريين خاصةً «الكوسة»، مع العلم أنني لستُ قادمًا للحديث في مشكلة الكوسة في مصر أو حتى الملوخية وذلك للتوضيح.

فعندما كنت أذهب لشراء الخبز كان صاحب الفرن صديقًا للوالد ولبساطة المكان كانت هذه الصداقة تعد واسطة كبيرة؛ وفي الحقيقة كانت تفيد جدًا فهي تحميني من الشمس والطابور الطويل وتجعلني أختار أجمل العيش حسب المواصفات القياسية طبعًا مواصفات أمي أقصد؛ أتذكر منها أنه يصلح لعمل السندوتشات، ومع هذه الحماية الجميلة كانت سهام أعين الواقفين وألسنتهم الملتهبة لا تتركني أَمُر بسلامة مع أني كنت لا أتخطى عشرة الأعوام، ولم يحدث هذا كثيرًا؛ بل كنت في بادئ الأمر يتخيل البيت كله أنني أذهب وأستخدم سلطتي أقصد الصداقة السابقة، ولكني كنت أذهب لأقف في الصف صبرًا إلى أن جاء يوم تأخرت فيه لشدة الزحام وعنفني أبي؛ فذهبت إلى أمي وشرحت لها المشكلة وانتهى الموضوع ولم يحدث ذلك بعد، المهم أن لصداقات والدي التي لا تنتهي ولله الحمد كانت هذه إحدى مشكلاتي وكنت أتغلب عليها أحيانًا وتغلبني أحيانًا.

 

المهم حتى لا نبتعد؛ من مشكلات مصر الرئيسية هي تلك المحسوبية حتى إنه اخترع لها قانونًا ليس له أصل من القانون وهو «أبناء العاملين» وهو ليس له وجود أساسًا.

أتذكر فيلم «رد قلبي» عندما قام علي بالتقديم ليلتحق بالجيش وكان السؤال الصريح «مين واسطتك» رد لأنه ابن الجنايني «واسطتي ربنا» ويكأن الجنرالات وقتها تابوا وأنابوا وخافوا.

وأتذكر يومًا وأنا في الصف الأول الجامعي أنا وبعض الأصدقاء كنا في مصلحة الشهر العقاري لإنهاء بعض الأوراق لصديق لنا ولكي تنتهي هذه المصلحة بسلام لم يكن معنا واسطة، فلجأنا إلى الحل المصري الآخر ألا وهو الشاي كما نسميه أو الرشوة البسيطة بداية من الأقلام في المصالح الحكومية إلى أن تنتهي بالأموال البسيطة التي تضخم مع نوعية العمل، وهنا تم الطلب منا من رئيس الشهر العقاري بلسانه وبشخصه دستتين أوراق تصوير وأخذهم ووضعهم بدرجه الخاص وتمت العملية بنجاح.

وتأكيد أنني لست قادمًا للحديث عن هذه المشكلة ولكن أحببت أن أذكر هذه الأمثلة التي حدثت معي شخصيًا وأنا لم أتخطَ 22 عامًا.

ونعود لما هو أهم فجلست أفكر في كمية الواسطة التي نلعبها يوميًا في حياتنا وكم هي كبيرة وكثيرة وشردت بذهني إلى الله عز وجل وما ستكون واسطتنا عنده؟!

وتذكرت كلمة يعلمها المصريون جيدًا؛ «أنت ابن مين في مصر»؟!

هذا يقول ابن القاضي فلان وهذا ابن الممثل فلان وهذا ابن الوزير فلان وهذا ابن الدكتور المشهور كذا وهذا ابن المهندس الغني، لكن ابن من أنا في مصر؟

أبي موظف على المعاش وأمي مدرسة بسيطة حتى إنها لا تعطي الدروس الخصوصية، ماذا سيفيدانني لو وضعت في موقف إجابة هذا السؤال أمام أحد من أبناء علية القوم؟

ثم عدت بالتفكير ونحن نقف أمام الله عز وجل ولا نتحدث بأهلينا ولا بمناصبنا وأموالنا بل نتحدث بأفعالنا.

وحينها تذكرت أن حالنا عند الله يتلخص في قول النبيﷺ «لا فرق بين عربي ولا أعجميّ إلا بالتقوى» وأن حالنا يجب أن يكون في هذه الدنيا حتى نقيم الإسلام كأسنان المشط سواسيةً.

ثم أتذكر قول المولى تعالى «يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء» وأقول إن كان هناك أحد أفضل من أحد في هذه الدنيا فهو ذلك الشخص الذي هداه الله.

وهنا نبدأ بآيةٍ مهمة وهي:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُون».

آية عظيمة في حد ذاتها كأخواتها بالتاكيد، يتحدث فيها ربنا مع المؤمنين الموحدين ويقول لهم لا تموتوا إلا وأنتم مسلمون وأنتم تتقون الله في حياتكم لأن بهذه تتوسطون عندي من سائر أعمالكم، و«حق تقاته» إيه على الجمال!

فيمَ نتقيك يا رب؟! نتقيه في أنفسنا أولًا؛ بألا نتركها تكون كهفًا للشيطان يرتع فيه هو وزبانيته، بألا نتركها قصرًا للناس كل من سار وضع بصمته سواء كانت لمسة حسنة أو سيئة، فأنت من تدير حياتك اعلم ذلك لا الآخرون، أنت من ستحاسب لا هم.

لا تأكلها من حرام لا تلمس بها الحرام لا تفعل بها الحرام.

اتق الله فيمن ترعاهم، اتق الله في عملك، اتق الله في دراستك، اتق الله في ملابسك.

أصبحنا نترك الذقن اقتداء بالموضة ولم نفكر أن نقتدي بالرسول ونتبع سنته، نقلد الغرب في كل شيء من قصات شعر حتى الملابس وطريقة الأكل والكلام أيضًا، ولم نفكر أن نبحث عما يأمرنا به الإسلام من قرآن وسنة ونسير عليه تلك مأساة في ذاتها.
بالتقوى نصل إلى ما نريد في الدنيا والآخرة. ولا ننسى أن أفضلنا عند الله وأكرمنا هو «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».

يومًا ما سنقف أمام المولى وننظر من حولنا فلا نجد أحدًا، كلٌ منشغل بما هو فيه، وسنقف؛ منا من سيكون له واسطة ألا وهي التقوى والعبادة الصالحة، ومنا من سيكون فقيرًا لا حسب ولا نسب ولا عمل إلا العمل الطالح، هناك سيظهر من ابن الوزير ممن ابن الجنايني، ولكنها يا صديقي الأعمال وحدها التي ستحدد.

أنت ابن مَن؟!

أنا عَبْدُ الله ابن عَبْد الله. الله ربي محمد رسولي الإسلام ديني الموت في سبيل الله وعلى طريق الحق غايتي.
اللهم اجعلنا من عبادك الأتقياء وارض عنا. والله الموفق والمستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد