في خضم الواقع ودواليب الحياة بما هو كائن. في كل حركة أو ردة فعل وراءها الأشياء التي هي القاعدة المبنية بخلفية تجعلها الأساس ومنها تتفرع الأجزاء.

الأمم ليست بأبراجها ومطاراتها ولا دخلها القومي، الأمم بقيمها ودخلها الفكري، البناء الحقيقي هو بناء داخلي، وكل رؤية لا تنطلق من هذا هي غبش وضلال.

هناك عديد من العقود المستقبلية المحتملة وكلها تعتمد أساسًا على كيفية التصدي والتقليل من تأثير الفيروس التاجي وتداعياته الاقتصادية. نأمل أن تُستغل هذه الأزمة لإعادة البناء وإنتاج شيء أفضل وأكثر إنسانية. لكن هل ستنزلق إلى واقع يحذو بصحوة أمل أم صورة كسابق عهدها؟

تتوالى الأيام في خلق رتابة أطَّرتِ الجميع بين حدود مغلقة وحجر صحي فُرِضت قواعده على العموم؛ مما شكل أرقامًا وصورة كانت كفيلة بواقع يلملم المآسي التي عايشها أفراد المجتمع بإحصائيات تعلو بنسب وتتردد لتدنو إلى الحضيض، لكن تبقى الظرفية رهينة السبب، في تشكل الحروف التي طاوعت الأدب كِناية لرفعة مقامه بين البوح والشرح، لكن توجه المقال نأمل به قياس الصورة وترجمة الواقع بنظرة الأرقام لمرجعية الاقتصاد بوصفه علم السلوك والمتحكم بالأدوات.

بعد تخطي عتبة الذروة التي نتجت منها حالة التمديد، والتي أنتجت سلوك التقدم والفصل بما عُرف في الآونة الأولى مترتبة عنها حياة عمل بديناميكية خفيفة بأوساط تُحرك نشاطات اقتصادية تبرز جوًّا يُغايِر المد الأول ويرفع من سقف الأمل في تفاؤل الانتهاء الذي سيبيح بخطة تُنتِح الحذر لدى المستهلكين لفترة طويلة، بعد انحسار أزمة «كورونا»، تمامًا كما حدث بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، سيسود مفهوم «استهلكه واستنفذه تمامًا أو استغني عنه» ربما لسنوات، الأمر الذي سيؤثر في إنفاق المستهلكين والمبيعات في أغلب القطاعات.

يعد الاقتصاد في جوهره الطريقة التي نستغل بها مواردنا ونحولها إلى منتجات نحتاجها للعيش، وبالنظر إلى هذه الطريقة يمكننا رؤية المزيد من فرص العيش بشكل مختلف يسمح لنا بإنتاج أشياء أقل دون زيادة في واقع البؤس لما يعرفه النمو العالمي من بطء الحركة بالفعل، والأسواق المالية لديها بالفعل أسعار فائدة منخفضة جدًّا، مما يعني أن البنوك المركزية في كل بلد رئيس تقريبًا ليس لديها احتياطات لتخفيف أي تداعيات اقتصادية محتملة، وهذا يفرض ضغوطًا أكبر على الحكومات لاستخدام أموالها لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن كورونا، حيث برز جمود الاقتصاد العالم بكل أدراجه في عدة أشكال، لعل من أخطرها معاناة السوق من الوفرة وتضخم العرض وانعدام الطلب أو قِلته، إلى درجة أن النفط أصبح في انحطاط لسعره، ومع ذلك لا يُلتفت إليه أدنى التفاتة، هذا زيادة على أن مشكلة في التحكم في عواقب السوق الوخيمة تتطلب فهم السلوك البشري وسياقاته الاقتصادية الأوسع.

في الأزمات العادية فإن الوصفة الناجعة التي ابتدعها الاقتصادي جون ماينارد كينز لحل هذه المشكلات هو التموقع بلُجوء الحكومات للإنفاق حتى يبدأ الناس في الاستهلاك والعمل مرة أخرى. التموقع جلي  وبالأخص حين يصل بمنحى الاقتصاد إلى مستوى الركود récession المرحلة التي تتسم بانخفاض في الأسعار وفي الناتج الداخلي الخام وارتفاع أسعار الفائدة والبطالة.

سياسات الأوراق التي انتهجت خططًا لأنشطة اقتصادية شكلت جدلً، ا مما جعل الأرقام تُكشِّر عن أنيابها في كل الميادين الخدماتية مما أدى إلى تعتيم الصورة بِنِسب ومعدلات نتجت بدورها من أعباء جديدة على كل الموازنات العامة التي تغيرت رأسًا على عقب، ستترك الأزمة الحالية ندوبًا دائمة في نظام عالمي جديد، ولكنه يتسم بالتحدي، بكشف هذه الأزمة عن هشاشة البنية الاجتماعية والفوارق المتشكلة بين الطبقات؛ إذ إن المعاناة المتسلطة بالطبقة المتوسطة والعاملة تحيي الفجوة التي قد تسبب إعاقة وخيمة بالطبقة المحتكرة لوسائل الإنتاج، ومن هذا القبيل يبدو أن المستقبل هو أحد الاختلافات المتزايدة بين العالم المتقدم والنامي ستتطلب القدرة مواجهة الأزمة والتكيف تغييرًا في العديد من النظم السياسية الراكدة والاحتكارات التي تعوق التغيير الآن أكثر من أي شيء أو وقت مضى، إذا لم يحدث هذا التحول، فإن البحث عن الإصلاح الهيكلي والنمو الشامل سيظل قابلًا للتحقيق، تعمل فترة كوفيد-19 مسرعًا لاعتماد التقنيات الرقمية، بسعي كل الكيانات الاقتصادية بتعدد اختصاصاتها إلى تعزيز القدرة التنافسية عن طريق التخسيس وتخفيض التكاليف المحددة في أعمالها، يمكن أن يؤثر احتضان العمل عن بعد على العديد من الاقتصادات غير المستعدة للتغيير السريع المدفوع بالتكنولوجيا والسلوك يمكن لهذا التحول أن يؤخر الانتعاش الاقتصادي في العديد من بلدان العالم الثالث، لكن تبقى استثناءات بالخطة الرهينة لكل منظومة وقدرتها على الابتكار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد