صندوق النقد في مصر

في صبيحة الثامن عشر من شهر يناير (كانون الثاني) لعام 1977 انتفض الشعب المصري عن بكرة أبيه ردًا على كلمة عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادي، أمام مجلس الشعب، بخصوص مشروع الميزانية لذلك العام، الخطاب الذي أعلن فيه عن إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة. كادت تلك الانتفاضة أن تطيح بأنور السادات آنذاك. وكانت وجهة نظر الاعلام الرسمي أنها تحريض شيوعي لإثارة البلبلة والاضرابات في البلاد[1].

وقد كان الضغط صندوق النقد الدولي على مصر، من أجل قبول شروط المؤسسات المالية الدولية منذ عهد عبد الناصر، إلا أن سياسات هذا الأخير الاشتراكية حالت دون الرضوخ للضغوط الدولية. ومع بداية عهد أنور السادات سيقت البلاد نحو ما أسماه بـ(الانفتاح الاقتصادي) الإجراءات التي خلدها الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم التي جاء فيها:

يا للي فتحت البتاع.. فتحك على مقفول.. وازاي حتفتح بتاع.. في وسط ناس بتقول.. بأن هذا البتاع.. جاب الخراب مشمول.. لأنه حتة بتاع.. جاهل.. غبي.. مخبول.. أمر بفتح البتاع.. لأنه.. كان مسطول![2]

 إذ حاول السادات استثمار نتائج حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 لتمرير مشروعه الاقتصادي، ولا سيما بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون صاحب قرار فك الارتباط بالذهب. ولكن اتفاقية كامب ديفد ومجمل السياسات (الانفتاحية) جاءت بنتائج معكوسة؛ إذ قاطعت الدول العربية مصر إثر كامب ديفيد ونقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى تونس وعاشت مصر السادات عزلة عربية، وانفتاح على الهيمنة الغربية، وعلى رأسها (إسرائيل)، وتوفي السادات مخلفًا وراءه دينًا خارجيًا يقدر بـ14.3 مليار دولار. ولم تتعاف مصر من أزمة الديون حتى حرب الخليج التي شاركت فيها مصر ونالت بعدها إعفاء من مجمل ديونها الخارجية. ومع هبوب رياح الازمة الاقتصادية العالمية بلغ العجز في الميزانية المصرية 6،8%، وبلغ ذروته بعد الثورة المصرية مباشرة ليسجل أعلى مستوى له في 2012 ليصل إلى 13.3%[3]. ودفعت حكومة السيسي ثمنًا باهظًا جراء سوء العلاقات المصرية مع حلفاء محمد مرسي، بل فرض على مصر السير في ركاب حلفائها الجدد السعودية والإمارات والكويت[4]، وما لحقها من أزمة الجزر المصرية (تيران وصنافير)، والأمر الذي زاد الطين بلة، هو تورط مصر مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مرة أخرى، بعد اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي والذي حصلت مصر بمقتضاه على ١٢ مليار دولار، بالإضافة لشهادة ثقة تدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الطموح المبني على تنفيذ سياسات غير شعبية والتي تم الإعلان عنها خلال العام الماضي[5] 2017 على موجات مع كل شريحة جديدة يصرفها الصندوق لمصر، ورغم تحسن الوضع الاقتصادي المصري، إلا أن آثاره السلبية بدأت بعد اتباع السياسات التقشفية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية بما فيها قرار تعويم العملة المصرية، ومن الطبيعي أن تضع تلك السياسات مصر على مفترق طرق ومن غير المستبعد أن يكون أحد سيناريوهاتها تكرارًا لثورة 1977.

الأردن.. خطوات واثقة على طريق الانهيار

الأردن مفخرة صندوق النقد الدولي يهب مرة أخرى، على ذات الأسباب والسياسات، التي كانت قد حدثت في 15 من أبريل (نيسان) 1989؛ إذ تبنت حكومة زيد الرفاعي (1985-1989) وصفة صندوق النقد الدولي بحذافيرها بما فيها، تشجيع ورعاية القطاع الخاص، والعمل على تقليص دور الحكومة والقطاع العام، إعفاءات ضريبية للقطاع الخاص، والإنفاق الحكومي عليه، الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل الإنفاق العام. بمعنى آخر الاستجابة لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين وتنفيذ التوصيات. حتى بلغت المديونية الخارجية حد 11 مليار دولار، و961.8 مليون دينار أردني كمديونية داخلية حتى مارس (آذار) 1989[6]. وكان بيان اللجنة العمالية الوطنية يونيو (حزيران) 1989 واضحًا في مطالبه، والتي تضمنت إلغاء الأحكام العرفية وإطلاق الحريات العامة والسياسية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتعديل قانون الانتخاب وإجراء انتخابات حرة نزيهة، والتراجع عن الإجراءات الاقتصادية وإلغاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني والأردني[7]. ومن الطبيعي أن تتراجع الطبقة الحاكمة عن الإجراءات التقشفية ويستبدل الملك الحكومة، ولكن لم تحل المشكلة جذريًا، وعلى خلاف مصر لم تنضم الأردن للتحالف الدولي في حرب الخليج الثانية ضد صدام حسين بعد غزو الكويت في التسعينات؛ مما أبقاها تحت نير المديونية وساءت العلاقات الأردنية مع النفط العربي ودوله. حتى توقيع الأردن اتفاقية السلام مع (إسرائيل) عادت العلاقات الطيبة بين الأردن وصندوق النقد الدولي مرة أخرى، ولكن النهج الاقتصادي الأردني استمر في اتباع سياسات صندوق النقد على مر العقدين الأخيرين.

صندوق النقد في الأردن من جديد

ولكن النمو الاقتصادي الأردني بدأ بالتباطؤ مجدد، فحصل الأردن على قرض بـ 2 مليار دولار في أغسطس (آب) 2012، على أن يخضع لمراجعة ربع سنوية[1] بمعنى أن لجنة دورية ستزور الأردن للتأكد من عزم الحكومة على تطبيق الشروط والتأكد من سيرها. وفي أواخر عام 2013 أكد بيان صادر عن صندوق النقد أنه لا يزال الأداء في ظل البرنامج على المسار الصحيح بوجه عام[2]، وبنفس اللهجة المعنوية العالية كان بيان صندوق النقد في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. وفي ظل انقطاع المساعدات الدولية، ولاسيما السعودية عن الأردن مع بداية 2017 وجدت الحكومة نفسها أما خيار وحيد، وهو قرض جديد من صندوق النقد بعد أن بلغت المديونية نحو 35 مليار دولار، واتفقت الحكومة مع صندوق النقد على قرض 723 مليون دولار، ولكن هذه المرة بسياسات تقشفية أشد قسوة، وقبل الزيارة المرتقبة للبعثة الصندوق الدولي، أطلق رئيس مجلس الوزراء مشروع قانون الضريبة المعدل الذي أضاف 10% على 164 سلعة أساسية، وفي فبراير (شباط) من 2018 تلقت الأردن مساعدات أمريكية بقيمة 1،271 لأهداف تنموية وعسكرية، خلال زيارة تلرسون لعمان ولقائه فيها مع وفد هيئة المفاوضات العليا السورية، والتي تتخذ من الرياض غطاءً لها. وكان من الواضح أن توافقًا سريًا أجراه تيلرسون يخص دعم المعارضة السورية وموافقة الأردن على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والتي أشار إليها الملك الأردني في ذات الشهر من العام نفسه، في محاولة منه لإقناع الشعب الأردني بقبول الشروط الأمريكية الإسرائيلية، وللتنويه أن أكثر من 40% من الأردنيين مهجرون قسرًا من بلادهم بعد الاحتلال الإسرائيلي 1948، وأية خطوة من الملك تؤيد السياسات الأمريكية ستغرق البلاد في ثورة سياسية بمستوى خطورة من أعلى المستويات. بمعنى أن الحالة الاقتصادية في الأردن بما فيها التسهيلات التمويلية والمساعدات الأمريكية مرتبطة بالموافقة على الخطوة الأمريكية إزاء القدس مرتبطة، ودعم المعارضة السورية عسكريًا.

ولكن في والمقابل كان للشعب الأردني رأي آخر، فخرج الأردنيون إلى الشوارع بدعوة من مجلس النقباء. وهو مجلس يضم منذ 2013 حوالي 15 نقابة مهنية و300 ألف مهني، وتوسعت فيما بعد لتحدث تأثيرًا كبيرًا في السياسات الأردنية، ولا سيما بوضوح توجهاتها الوطنية والتقدمية ومواقفها الحاسمة ضد الاحتلال والإسرائيلي والتدخل الأمريكي في المنطقة، إلا أن تجمع آخر للنقابات، والتي تنضوي تحت مسمى (التجمع الوطني للفعاليات الاقتصادية) رفض الدعوة إلى الإضراب ومن الواضح قرب هذا الأخير من الأجهزة الحاكمة وسياساتها، إلا أن الشارع الأردني استجاب لدعوة مجلس النقابات، وحدد أهدافه وهو التراجع عن السياسات التقشفية بما فيها قانون الضريبة المعدل من ناحية الخطاب الرسمي للمجلس، أما شعبيًا فقد رفع مستوى الشعارات التي طالبت بغير (النهج) بكامله. أي النهج الاقتصادي الرأسمالي المعتمد على القروض الدولية والتبعية السياسية التي تنجم عنها. وفي الرابع من شهر يونيو قدم رئيس الحكومة الأردني هاني الملقي استقالته، وفي اليوم التالي كلف الملك مدير البنك الدولي الأسبق في واشنطن وبيروت عمر الرزاز.

وأكثر السيناريوهات احتمالًا هو التفاوض من صندوق النقد الدولي على تخفيف الشروط المفروضة، ولا أحد يمكن أن يقوم بهذه المهمة كالرزاز الضليع في العلاقات المصرفية، ولكن من ناحية أخرى ما سينجم من استجابة للمطالب الأردنية لم تنفع في شيء سوى تأجيل الكارثة الكبرى حين تعجز الصيغة الاقتصادية الأردنية عن سداد ديونها وهو المتوقع لطبيعة البنى التحتية الأردنية المنهكة عبر عقود مديدة من سياسات (النيوليبرالية) وضعف مصادر التنمية الإنتاجية، بمعنى أن اقتصاديات العالم الثالث يقوم على حركة رؤوس الأموال، وليس على إنتاجها، وهو أهم نتاج السياسات المالية الدولية. وبالتالي سيرتبط معدل التنمية بحالة الاستقرار السياسي في المنطقة بأسرها، وأي خلل سيوقف جريان رؤوس الأموال وبالتالي انهيار المنظومة الاقتصادية بالكامل، وعليه ستصطف الأردن إلى جانب شقيقتها مصر في انتظار مصير مشترك.


[1] نشرة صندوق النقد الدولي، 3أغسطس (آب) 2012. (http://www.imf.org/ar/news/articles/2015/09/28/04/53/soint080312a)

[2] صندوق النقد الدولي، بيان صحفي، رقم 521/13، 19 ديسمبر (كانون الثاني) 2013. (http://www.imf.org/ar/news/articles/2015/09/14/01/49/pr13528 )

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد