لماذا نخشى الاستسلام؟ ما الشيء السيئ في الاستسلام؟ ما الذي يحدث لو أننا انسحبنا من منتصف الطريق ولم نكمل الرحلة؟ وإذا أردنا النجاح فعلًا، هل عدم الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي يضمن تحقيق النجاح؟

– ليس من السهل أن نتخذ القرار بالاستسلام؛ لأن هذه الخطوة تحتاج الكثير من الشجاعة. نحن نخشى الاستسلام؛ لأننا نخاف من نظرات الآخرين وانتقاداتهم. نحن نخشى الاستسلام؛ لأننا نخاف من الاستخفاف والسخرية، ونتساءل ما الذي يعتقده الناس عنا؟ نحن نخشى الاستسلام؛ لأن لدينا خوفًا عميقًا من الخطأ ومن أن يتم التقليل من شأننا والتشكيك في جدارتنا. نحن نخشى الاستسلام ؛ لأننا نعتبره فشلًا وشيئًا يسبب الإحباط والخزي. ولتجنب كل هذا الألم نرضى بالمستوى السيئ؛ فهو أسهل من مواجهة الحقيقة والاستسلام.

لا تستسلم أو تنسحب أبدًا!

– يقول «سيث جودين» في كتابه «المنخفض»: «يا لها من نصيحة سيئة لدرجة لا تصدق، لا تستسلم أو تنسحب أبدًا؟ لو التزم الإنسان بهذه النصيحة لظل على حاله ولم يتقدم إلى الأمام أبدًا».

في الحقيقة إن «جودين» مُحِق في كلامه، ولو أن كل شخص ينبغي له ألا ينسحب أو يستسلم لفقدت البشرية الكثير من الإسهامات في مختلف المجالات، ولتغير واقعها المعاصر.

ماذا لو تمسك سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بدين آبائه؟ لو لم يستسلم كانت الأمة الإسلامية ستفقد مجهوداته الجبارة، ولتغير واقعها المعاصر، ماذا لو لم يترك «ستيف جوبز» دراسته الجامعية؟ لو لم ينسحب كانت التكنولوجيا ستفقد الكثير من إسهاماته. وهناك الكثير من الأمثلة والقائمة تطول. يرى «جودين» أن هناك وضعين يجب الانسحاب منهما فورًا.

الطريق المسدود

– هو وضع تجد فيه نفسك تعمل وتعمل وليس هناك تغيير يذكر، لا يتحسن الوضع كثيرًا ولا يسوء، بل يظل الوضع كما هو.

عند الوصول لطريق مسدود يجب الخروج منه سريعًا، فالبقاء فيه تكلفة باهظة الثمن؛ لأنك ستضيع الكثير من الفرص (ضياع الوقت مثلًا).

إن الانسحاب من طريق مسدود ليس فشلًا بل هو ذكاء؛ لأنه يتيح لك المزيد من المزايا.

*المنحدر*

– هو وضع تجد فيه نفسك تعمل وتعمل وليس هناك تغيير يذكر، بل إن الوضع يسوء ويسوء، وعند الوصول لمنحدر يجب الانسحاب منه سريعًا أيضًا.

– لماذا قرر النبي (صلى الله عليه وسلم) الهجرة؟ ما الوضع الذي واجهه؟

الجمود وفخ الأسلوب المحبب

– كان هدف الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو دعوة الناس إلى الإسلام، و استمر في ذلك إلى أن منعته قريش، فما الذي يجب عليه أن يفعله؟ هل ينبغي له أن يتمسك بالأسلوب نفسه؟

لم يتخل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن هدفه، ولكنه تخلى عن أسلوب دعوته مع قريش، فلم يكن جامدًا مصرًّا على أسلوب معين، لذلك أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) يتبع الحُجاج في منى ويسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم، ويأتي إليهم في أسواق المواسم (عكاظ، جنة، وذو المجاز ) فلم يجبه أحد. عن جابر، رضي الله عنه، قال: «كان النبي يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول ألا رجلًا يعرض عليَّ قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي».

واستمر في تغيير الأساليب دون كلل دون التخلي عن هدفه، وبينما كان يعرض نفسه على القبائل عند العقبة في منى لقي ستة أشخاص من الأنصار فدعاهم إلى الإسلام، فبايعه في العام المقبل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، وكانت بيعة العقبة الأولى.

لم يتخل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن هدفه، ولكن تخلى عن الأسلوب الذي لا ينجح، فلم يكن جامدًا واقعًا في غرام أسلوب بعينه.

*الكِبر وحصان طروادة*

– قبل ثلاثة ألاف سنة أو تزيد خطف الأمير «باريس» «هيلين» الجميلة وأخذها معه إلى طروادة، سافر الإغريق عبر البحر لإنقاذ «هيلين» التي سرقها منهم باريس وليدمروا مدينة طروادة، فاستغرق الحصار 10 سنوات، و لن يستطيع الإغريق فتح المدينة ما لم يهدموا تلك الأسوار، عندئذٍ جاء القائد «أوديسوس» بفكرة بناء حصان خشبي عملاق، يخفي جنودًا في داخله وتقديمه كهدية للطرواديين، فبنوا الحصان ونفذوا الخطة و تركوه خارج الأسوار، تنطلي الخدعة على الملك فيأمر بإدخال الحصان، تسلل الجنود من داخل الحصان في الليل وفتحوا بوابات المدينة للسماح لبقية الجيش بدخولها، يدخل الإغريقيون طروادة ويعيثون فيها قتلًا و اغتصابًا، قُتِلَ الرجال، رُمِيَ الأطفال من فوق الأسوار، أُخِذَت النساء سبايا، دُمِّرت طروادة وماتت.

بسبب كِبره، ضحى الأمير باريس بآلاف الأبرياء وجعل مدينة كاملة تعاني لعشر سنين ويلات الحرب من أجل نزواته الشخصية ومن أجل كبريائه الذي منعه من الاستسلام.

الرسول (صلى الله عليه وسلم) وجد نفسه في وضع مشابه، لكنه تصرف بطريقة مختلفة تمامًا. تعرض الكثير من الصحابة، رضوان الله عليهم، للتعذيب الجسدي، فعُذِّب بلال، رضي الله عنه، وأُلقِيَ في الصحراء في الحر الشديد، وعُذِّب آل ياسر، رضي الله عنهم، و عُذِّب كثير من المسلمين غيرهم.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد فرضت قريش حصارًا على المسلمين و على بني هاشم خاصة، حصار ظالم يقتضي مقاطعة المسلمين اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فلا يتزوجوا منهم ولا يزوجوهم، ولا يبتاعوا منهم ولا يبايعوهم، فأصاب المسلمين من هذا الحصار أذى شديد، وحتى إن منهم أكل ورق الشجر من شدة الجوع.

فعندما رأى الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا الأذى لحق بأصحابه وأهاليهم قرر الانسحاب والهجرة إلى المدينة، لم يكابر ويرفض الاستسلام ويعرض أصحابه وأهاليهم للموت المحقق، لقد كان زاهدًا في إثبات الذات وليست لديه رغبة في إثبات الأفضلية وكل ما يشغل باله هو سلامة قومه وأمانهم.

*الانسحاب الاستراتيجي*

«و ما أرسلناك إلا كافة للناس»

– الرسالة الإسلامية لا تقتصر على قريش فقط، بل هي رسالة عالمية تحتاج لإقامة دولة إسلامية وإقامة أسسها لنشر هذه الرسالة.

لكن كيف يمكن إقامة دولة خاصة في ظل رفض قريش ومعاداتها للدعوة ونشرها؟ كيف يمكن تأسيس كيان اجتماعي بنظام سياسي في محيط غير آمن؟

كل المعطيات تقف عائقًا أمام الهدف الأكبر للرسالة، إذن لماذا الاستمرار في مواجهة الصعوبات إذا لم تكن هناك مزايا؟ لذا كان لا بد من انسحاب استراتيجي.

الانسحاب الاستراتيجي هو قرار تتخذه بناء على الخيارات المتاحة أمامك، وإذا أدركت أنك في طريق مسدود فإن الانسحاب ليس قرارًا عاقلًا فحسب بل ذكيًّا.

هذا الهدف يتطلب أمة متماسكة وأرضًا تكون مركزًا رئيسيًّا لها، وكانت المدينة المنورة الأنسب لذلك؛ لأن الوضع فيها مستقر، والمجتمع متقبلًا محبًّا للإسلام، وكان ذلك واضحًا في استقبال الأنصار لهذا الدين والمهاجرين.

في الحقيقة النبي (صلى الله عليه وسلم) وجد نفسه في وضع يتحول من سيئ لأسوأ، وبقاؤه كان خطرًا على حياته ودعوته وأصحابه.

النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن شخصًا جامدًا متحجر الرأي ذا أسلوب واحد، لم يكن مغرورًا غير مبال بمن معه، لم يكن يبحث عن إثبات الذات، وليست لديه رغبة في إثبات الأفضلية وكل ما كان يشغله سلامة قومه ونشر دعوته.

وقرار الهجرة لم يكن قرارًا اعتباطيًّا، لم يكن قرارًا اتخذه فجأة، لم يكن متسرعًا للانتقال إلى المدينة في الأيام الأولى، وإنما انتظر أكثر من عامين حتى وجد القاعدة العريضة المؤيدة، لم يكن قرارًا ناتجًا عن خوف، بل كان انسحابًا استراتيجيًّا وفق خطة، كان انسحابًا جعل الإسلام يزدهر وينتشر في كل بقاع الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

استسلم, الهجرة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد