خليل سعيد
خليل سعيد

  لم يعد ممكنًا لبلدان أوروبية أن تخفي أزمتها مع العرب من مواطنيها أو ساكنيها. فالصّبر لسِنوات عَلّ الثَّقافة المحليّة تصل حياة الجيل الثاني من أبناء المهاجرين اصطدم بسلبية الخلاصات، وأنتج مشاكل كثيرة صار التعامل معها صعبًا لا سيما بعد أن تعرضت بلدان كثيرة لحوادث إرهابية منفذوها من أصول عربية ممن ولدوا وترعرعوا في أوروبا نفسها. كما أن تدفق موجات اللاجئين من بلدان عربية في نفس الوقت التي تعيش فيه مناطق عربيّة حربًا ضدّ التطرف، جعل صورة العرب في مخيلة المواطن الأوروبي العادي سوداء تجعلهم خطرًا يهدد الحضارة الغربية برمتها، وهو ما يعكسه على الأرض وصول اليمين المتطرف لسدة الحكم في دول كالمجر والنمسا.

فرنسا بفعل حجمها وكم العرب على أرضها هي من أول البلدان التي تعيش صدمة الفشل في إدماج الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين. وقد بات معظم مجتمعها موقنًا أن البلاد صارت تعيش شرخ هوية حقيقي يجعلها بلدين في بلد واحد. فيكفي زائر أي مدينة فرنسية أن يتجول في أطراف المدينة حتى يفهم أن فرنسا تحتضن بلدًا عربيًا قائمًا بذاته على أرضها.

عرب فرنسا نوعان، الأول هم المهاجرون القادمون من بلدانهم خصوصًا شمال أفريقيا، وهؤلاء نظريًّا لا يشكلون خطرًا حقيقيًّا باعتبار حداثة تواصلهم بالمجتمع المحلي، وكون هجرتهم مؤسسة على مشاريع بناء حياة أفضل، تجعلهم أكثر إقبالًا على الاستفادة من فرص النجاح المتاحة. هم يحملون رغبة استقرار يضمن لأبنائهم حياة أفضل، ويدركون حجم النعمة التي تقدمها فرنسا لهم مقارنة مع ما تركوه في بلدانهم الأصل. ولكنهم أمام عمق اختلاف طباعهم مع الفكر الفرنسي ذي الأصول التاريخية، يميلون للتموقع على أنفسهم خالقين بذلك ما يسميه الفرنسيون بالطائفية الاجتماعية، ومنتجون لأحياء شاذّة ثقافيًّا في المشهد العامّ للمدن الفرنسية.

النوع الثاني وهو الذي بات مقلقًا بشكل حقيقي للمواطنين والساسة الفرنسيين معًا، وهو الفرنسيون من أصول عربية. وهؤلاء يحملون في صيغة حياتهم لوحة فشل حقيقي لسياسات الإدماج التي اعتمدتها فرنسا لسنوات، بل ويؤكد واقع حياتهم فشل النموذج التعلمي الجمهوري الفرنسي. وهؤلاء خسروا معركة فرض أنفسهم على الأرض في مجالات حقيقية، ولا قيمة لنماذج النجاح النادرة بينهم غير ترميم الصورة التي تحاول فرنسا الحفاظ عليها كأمة تحتضن الجميع وتوفر لهم فرص النجاح.

الفرنسيون أنفسهم غير أبرياء من فشل نموذجهم في إدماج المهاجرين، فهم معرفون بين الأمم بشكل من الغرور يجعل اعتزازهم بهويتهم يرفض أي مكون جديد قد يشكل طفرة في شكلها. بل إن التمعن في مفهوم الإدماج بمعناه الفرنسي يوصلنا إلى حقيقة اقترانه بترك الثقافة الأصلية مقابل انتماء هو نفسه غير مكتمل ما دام غير متناسق مع الشكل. والصدق مع الواقع يقتضي أن نقول أنه لا مكان للثقافة العربية والموروث الإسلامي في المجتمع الفرنسي بصيغة تفكيره الحالية. وحتى نكون واضحين في المعنى ففشل الإندماج لا يلغي واقع الرقي الفرنسي من حيث القانون والحقوق التي لا تحرم أحدًا من فرص العيش الكريم والنجاح العملي وتظل أرض كرم لكل من استطاع تجاوز الحاجة لاندماج إنساني حقيقي.

كلّما أتأمل تلك الوجوه الحزينة للكهول العرب في المراكز التجارية، وتلك الأمهات المحجبات يمضين في صمت مطبق بعربات مترو يدركن أن أغلب راكبيها يعتبرونهن صور تخلف واستعباد للمرأة، أتساءل كم من العمر يجب أن تدفن بين غرباء عنك حتى يتقبلونك واحدًا منهم؟ وكيف للإنسان أن تسمح كرامته بالعيش بين أناس تجرحه عيونهم باستمرار. والمستقبل ذاته ينتظر الخلف ما دامت المشكلة تطال الجيل المولود هنا كذلك، فهو جيل هجين لا هوية واضحة له. لم يحظ بقبول أهل البلاد الأصليين ولا هو قادر على العيش في ثقافة بلده الأصل. والواقع أن الحل الأكثر سلامة للجميع هو أن نغادر جميعًا نحو بلداننا الأصلية حيث تتناسق أشكالنا مع طباعنا، وحيث نملك حق الإسهام في بناء الواقع، وحيث لا فرق بيننا في درجة الانتماء. أما الإصرار على إثبات الوجود بفرض تواجد هوية عربية مسلمة على الهويات الأوروبية فعواقبه المستقبلية لن تكون أبدًا سليمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك