علمتنا رحلة الهجرة وما حولها ما لم تعلمنا كتب وخطب ومواعظ! كم استقينا منها عبرًا! كم تعلمنا من تفاصيلها دروسًا! كم  بنينا على فهمها وفقهها خططًا! ثم تأتي ذكراها لتحمل كل تلك المعاني إلى الوجدان ثانية، وتثير فينا تساؤلات طالما بحثنا عن إجابتها؛ هل نحتذي به صلى الله عليه وسلم حقًّا؟ هل نستن بسنته ونهتدي بسيرته ونحيا عمليًّا بشريعته؟

 

 

 

 

 

 

لتكن الهجرة إحدى تلك المصابيح التي تضيء لنا الطريق، لنتأمل ما علمتنا إياه وما يمكننا أن نستفيد من سبر أغوار حكمتها. هيا بنا نستقي من نبعها العذب الصافي رواء لظمأ الأرواح التي تاقت إلى الحكمة والبصيرة في زمان ادلهمت فيه الخطوب وحارت من هولها العقول.

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة حب الوطن والشغف به، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والله إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”.

 

 

 

 

 

 

روي أنه قالها وهو ينظر إلى مكة وهو يغادرها. تعلمنا هذه الكلمات أن حب الوطن فطرة وواجب، علمتنا عشق تراب الوطن وعشق هوائه وسمائه، علمتنا التشبث بالوطن وعدم الرحيل عنه إلا لضرورة، ولولا الضرورات ما كان رحيل ولا سفر!

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن ديننا أحب إلينا من كل شيء، حتى من المال والأهل والولد والأرض والوطن. فهذا صهيب الرومي رضي الله عنه يخير بين الهجرة وماله كله، فيؤثر الباقي على الفاني. إنه الدين، إنه الإسلام، إنها الدعوة! أما ذلك المال فوسيلة لا غاية، ما قيمة المال إن أسر صاحبه عن حرية عبادته؟! ما نفع الدنيا إن سجنت صاحبها عن الآخرة؟

 

 

 

 

 

 

 

 

بل ما قيمة الوطن ذاته إن كان الاختيار بينه وبين حرية الدين والعبادة؟! لذا، بشره الحبيب صلى الله عليه وسلم حين لقيه: “ربح البيع أبا يحيى”.

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة كيف يقدم القائد والمربي والداعية جنوده وأبناءه وتلاميذه على نفسه، يطمئن أولًا على أنهم في أمان من الخطر، ثم يتحرك هو بعدهم. وكان ذلك واضحًا جليًّا في تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته حتى هاجر الصحابة كلهم جميعًا. ظل معرضًا لخطر التضييق والأذى بل والاغتيال، فقط ليطمئن على من هم تحت إمرته، ثم ينتظر الأمر الإلهي له شخصيًّا بالهجرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن رد الحقوق وحفظها من شيم المؤمنين وسيما الصالحين ودأب الدعاة المصلحين، حتى إلى من هم في صفوف الكفر ودار الحرب والمخالفين في العقيدة، لا في مجرد الرأي!

 

 

 

 

 

 

 

 

برز ذلك الخلق العظيم في رد الودائع والأمانات لأهل قريش من قبل من قال له ربه: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”. يرد لهم ودائعهم وأموالهم في خضم حربهم له، وبينما هم يدبرون ويحيكون مؤامرة شيطانية لقتله! كما أنه درس عظيم لنا في استئمان أعدائه له وحده دون غيره على أموالهم وحاجاتهم! يحاربونه ويؤذونه، ولا يجدون بديلًا عنه صلى الله عليه وسلم في حفظ الأمانة!

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن صحبة الخير هي العاصم والأمان، وهي الراحة والسلام، وبدا ذلك في رفقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فكان خير معين ومساعد، بالقلب والروح قبل القوة والساعد. ضحى بماله كله، وسخر جميع أهل بيته في خدمة هذه الرحلة المباركة. لم يدخر وسعًا في تيسيرها، فكان شرف الصحبة له خير جزاء.

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن الشباب هم فدائيو الإسلام الأوائل، وأنهم نصروا إسلامهم بما لم ينصره به غيرهم، وأنهم أول حائط صد أمام المجرمين، فهذا علي رضي الله عنه في فراش النبي، هو الشاب المتقد إيمانًا وإخلاصًا وحماسًا لحمل أمانة الدعوة، ها هو يضع روحه على كفه، مفتديًا بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين، ها هو يبدي أتم استعداد لبذل حياته رخيصة في سبيل رفعة الدين ورفع لوائه! فأين نحن من هذه الفئة التي لا غنى عنها، لو كنا نعقل؟

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن كفار قريش “رغم كفرهم وشركهم” قد منعتهم نخوتهم ومروءتهم وكرامتهم أن يفزعوا أهل بيت من أرادوا قتله، انتظروا أمام الباب حتى يخرج هو فيقتلوه! لم يقرروا ترويع أهل البيت رغم شناعة تخطيطهم وحقارة هدفهم،

 

 

 

 

 

 

لكنهم ترفعوا عن الدناءة في التنفيذ، ليكونوا بهذا أكثر نخوة ومروءة من زوار الفجر في أيامنا هذه التي يروع فيها الآمنون، وتنتهك فيها الأستار والأعراض والحرمات، وتنهب فيها الأموال والأملاك، ويعذب فيها النساء والشيوخ والأطفال، وتضيع فيها الحقوق والكرامات!

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن الله هو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، وأنه تعالى يعطل الأسباب ليحفظ عبده الذي توكل عليه قبل وبعد أن لم يدع سببًا إلا طرق بابه. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطط لكل شيء، وأخذ من الأسباب وسعه كله، ثم هم على بابه ينتظرون خروجه ليقتلوه! ليأتي دور اليد الإلهية فتحسم الأمر “وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ”.

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن الله ورسوله أحب إلينا من أهلينا وأموالنا، وأن الله هو خير خليفة في المال والأهل والولد. هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ ماله كله ويضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تركت لأهلك يا أبا بكر؟! ماذا تركت لهم من مالك ليقتاتوا منه؟

 

 

 

ماذا ادخرت لهم؟ ما نصيب أهل بيتك من ذلك؟ علام يعتمدون وما حظهم من دنياك؟

 

 

 

 

 

 

يربينا هذا الصديق العظيم على قمة التفاني والبذل والعطاء والإيثار والتضحية، قل ما شئت من المعاني في كلماته الخالدة؛ “تركت لهم الله ورسوله”!

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن الأبناء يترعرعون على ما نربيهم عليه، يحفظون غيبتنا ويحمون ظهورنا ويدفعون غيبتنا ويتحملون تبعة هجرتنا.

 

 

 

 

 

 

 

ولنا في قصة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وجدها وكيس المال خير مثال! ترد الغيبة عن أبيها، وتلتمس له العذر، وتوري في غير كذب لتحفظ له هيبته، وتصبر على لواء الحياة في سبيل الله دون شكوى أو مرارة في الحلق! فكانت تلك النشأة مقدمة لمستقبل عظيم مع زوج عظيم وابن عظيم فيما بعد!

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن الخير موجود حتى في شرار الخلق، وأن أهل الجاهلية حازوا أخلاقًا افتقدها بعض من ورثوا الإسلام في اسمه وبطاقة هويته فقط. هذا أبو جهل يخشى أن تعيره العرب بضرب فتاة في غياب أبيها!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يسأل رفيقه أن يكتم ذلك وألا يفشي سره أو يهتك ستره! أين هذا من هؤلاء الذين يهتكون الأعراض في السجون والمعتقلات، بل وفي الشوارع داخل المدرعات؟

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة، بعد التوكل على الله أن نحكم التخطيط والتدبير وتوزيع الأدوار، فيشمل ذلك مخالفة الطريق، وتدبير مصدر للأخبار، وتوفير مصدر للطعام والمؤونة، وإحكام إزالة الأثر، واستعمال خبير في معرفة الطرق، وتوظيف كل شرائح المجتمع، ولا غنى عن دور المرأة بحال، رضي الله عنك يا ذات النطاقين.

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن القيادة تفتدى بالمال والنفس، لا لشخصها وذاتها “وإن كان رسول الله أشرف وأكرم الخلق، وحق له أن يفتدى بالمال والأهل والولد وكل غالٍ!”، ولكن ذلك لمكانتها من حفظ الدين ونشره بين الناس. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه يدور حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتقي بذلك سهمًا غادرًا قد يأتيه من أي ناحية. يفتديه بنفسه!

 

 

 

 

 

 

فهو فرد واحد، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة كاملة، ورسالة تامة، ودعوة عامة، ومستقبل الإنسانية جمعاء، ومجمع تعاليم الإسلام وعقائده، ومستقبل الوحي دون غيره!

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة الثقة في نصر الله رغم المحنة والاستضعاف، وألا تشغلنا النوازل والمحن ومشاهدة دماء الشهداء وسماع أنات الأرامل واليتامى وأهات المعذبين ودموع ذوي الأسرى وصرخات الحرائر،

 

 

 

 

 

 

 

ألا يشغلنا ذلك كله عن الثقة في نصر الله وموعوده، حتى وإن تعجب من ثقتنا وثباتنا وتفاؤلنا المحبطون والمثبطون والمرجفون! فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم وعدا لسراقة بسواري كسرى! يعده بنصر عظيم وتمكين للدين! يعده بذلك في أوج محنته! يعده بذلك وهو مطارد من قبل المشركين، يبحث عن مناصرين لدعوته! لكنها الثقة في وعد الله أولًا وآخر.

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أنه إذا انقطعت الأسباب فلا ملجأ إلا إلى رب الأسباب ومسببها. ها هي الأسباب كلها قد اتخذت، ونفدت الوسائل، واستنفذ الوسع كله، ثم يقف الكفار أمام باب الغار! فيخشى الرفيق على رفيقه، ويقر بالواقع الأليم: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا!”

 

 

 

 

 

 

 

فتنطلق الشفاه الشريفة بأسمى معاني الثقة في معية الله وتأييده ونصره للمؤمنين، الذين بذلوا وسعهم ولم يتركوا سببًا يملكونه إلا اتخذوه؛ “ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”

 

 

 

 

 

 

 

 

علمتنا الهجرة أن بعد العسر يسرًا، أن الله ينصر دينه وعباده، أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده وأن العاقبة للمتقين المجاهدين الصابرين، وأن الله قد يضيق علينا أرضًا، ليرزقنا أرحب منها، ثم يكمل تعالى كرمه ومنته علينا ويعيدنا إلى أرضنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا منتصرين فاتحين، في يوم مرحمة لا يوم ملحمة.

 

 

 

 

 

 

 

هذا غيض من فيض مما تعلمنا إياه الهجرة النبوية، اللهم ارزق قلوبنا هجرة من معصيتك إلى طاعتك، ومن الهم والحزن واليأس إلى الثقة بك، ومن حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك، اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, سيرة, هجرة, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد