من الأشياء التي باتت تستهويني يومًا بعد يوم هي التفكير في طبيعة عقلية الشعوب العربية الإسلامية السائدة اليوم، حتى صرت أجد روح التحدي ومتعة الاكتشاف في محاولة فهم هذه العقلية العجيبة الخارجة عن خط التاريخ، مثل متفقدي الكهوف الذين يسبرون دهاليزها الحالكة محاولين عبثًا تبديد الظلام بمصابيح قبعاتهم الخافتة.

ولأن الإمساك بأطراف ملامح التفكير لدى الشعوب العربية في معظمها يشبه محاولة صيد سمك السلمون في الأنهار، فقلما تستطيع رصد منطق هذا التفكير فبالأحرى أن تفهمه، لكن ظاهرة الهجرة نحو الغرب، تبدو لي أفضل بؤرة للتعرف عن كثب على هذا «العقل» الذي تشتغل به شعوبنا.

باتت الهجرة نحو أمريكا وأوروبا على الأخص هي الحلم الشاغل لشعوب البلدان العربية الإسلامية، بعدما أصبحت الحياة في هذه الدول لا تطاق من فرط شقائها، ولا نحتاج بالتأكيد لتكديس الأرقام في مقالنا هذا لإظهار حجم المهاجرين القادمين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط في الغرب، والذين يعدون بعشرات الملايين، كما لا نحتاج لنذكر أن شعوب هذه البلدان هي الأكثر هجرة نحو أوروبا مقارنة مع جميع سكان مناطق العالم.

في الواقع سلوك الهجرة ليس خطأ في حد ذاته، فهو سمة تطورية متأصلة في جميع الكائنات الحية، فعندما تحس قطعان الحمير الوحشية باللاأمن وتشح الموارد في بيئتها، تلجأ إلى الهجرة بشكل طبيعي إلى مناطق أكثر أمنا وأوفر كلأ، مفضلة المُخاطرة باجتياز الأنهار المليئة بالتماسيح على البقاء في مكانها، لأن بقاءها يعني هلاكها وهلاك نسلها.

لكن ما يثير الاستغراب في الشعوب العربية أنها تكن مشاعر كراهية سوداء لأوروبا، وتنظر إليها باعتبارها دولًا خبيثة تسعى صباح مساء، وليس لها شغل سوى القضاء على دينها وتدميرها وتقسيمها، وكل الويلات التي تعيشها من حروب وتخلف تُرجعها إلى هذه البلدان الأوروبية، فضلا عن أنها ترفض قيمها وثقافتها المجتمعية، من علمانية وليبرالية وحرية وحقوق إنسان.

وفي ذات الوقت، تغامر نفس هذه الشعوب الكارهة بحياتها وتركب قوارب البحر معرضة حياتها للموت في سبيل فقط الوصول إلى أوروبا بالتحديد دون بقية شواطئ العالم، واليوم الذي يحصل فيه المواطن العربي على تأشيرة هجرة إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي هو أهم يوم عيد في حياته، أما عندما يحصل هذا المواطن على جنسية أوروبية أو أمريكية فحينها يحس لأول مرة بأنه إنسان له كرامة ولد من جديد.

فكيف إذن تجمع هذه الشعوب بين الحقد والرفض المطلق من جهة والرغبة الحثيثة في العيش في أوروبا من جهة أخرى في ذات الوقت؟

ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال، فعقلية الإنسان العربي الإسلامي هي غاية في التعقيد والتناقض، ولا سيما أنها تشتغل بطريقة لا واعية وغير منطقية، مما يجعل محاولة فهمها من خلال استنباط المعنى أو الغرض أو المنطق عملية عبثية، فالمهاجر البائس الذي فر بجلده من جحيم بلاده حتى بعد أن يصل بلدًا أوروبيًّا، ويذوق طعم الحرية والأمن والكرامة والرفاه، لا يتخل رغم ذلك عن أفكاره القديمة تجاه أوروبا وقيمها الحداثية، ويظل يحدثك عن نجاسة الأوروبيين ويمدح في ثقافة بلده، التي فر منها.

ويظهر هذا الأمر جليًا لدى الإسلاميين ورموزهم على الأخص، فتجد منتمي الإسلام السياسي والسلفيين وحتى منظري الحركات الجهادية، يستمتعون بالإقامة في لندن وباريس وفيينا وستوكهولم وأوسلو، بينما هم يروجون خطاب الكراهية لأوروبا وقيمها وثقافتها على منابرهم الإعلامية ببجاحة وهم يستفيدون هم وأولادهم من رفاهها وصحتها وتعليمها، والأغرب من ذلك أنهم يحاربون العلمانية في بلدانهم الأصلية في الوقت الذي فيه لا يخجلون من العيش تحت غطائها بأوروبا، وعندما تسقط إحدى الأنظمة السياسية الاستبدادية العربية يهرولون على المطارات ليقفوا ضد ما يسمونهم «حليفي الغرب»، الغرب الذي قدموا منه بعد أن عاشوا فيه سنين طويلة قبل أن تغريهم كعكة السلطة.

تكمن عقدة الإنسان العربي أنه يريد أن يعيش رفاه أوروبا ويريد دواءها وطعامها وتكنولوجيتها لكنه لا يريد أن يستورد حداثتها القيمية إلى بلاده، وهنا تكمن المشكلة، إذ لا يعي أن ما وصلته أوروبا هو من ثمار فكرها الحداثي، وأنه لا يمكنك أن تؤسس دولة حرية ورفاه وحقوق بدون أن تأخذ من أوروبا مبادئها الدستورية القيمية، لكنه في ذات الوقت يحب توظيف هذه القيم الحداثية، من علمانية وحقوق إنسان وحريات، عندما تتعرض حرياته الدينية وحقوقه للتضييق في المهجر، وإن كان يرفض بتاتًا هذه الحرية والعلمانية في بلده الأصلي.

وذلك لأن المواطن في البلدان العربية يعيش حالة من التغييب والتيه واستلاب الوعي، بسبب طوفان الأفكار المسبقة الخاطئة حول العالم والآخر وذاته، التي استقبلها عقله طوال تنشئته الاجتماعية عن طريق المدرسة والمسجد والأسرة والمجتمع والإعلام العربي، حتى أصبح كائنًا خارج الواقع والسياق العالمي، يفسر كل شيء بعقلية المؤامرة والمظلومية، ويأتي بحلول دينية جاهزة لكل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل والصحية ظنًا منه أنها ستحل المشكلة، ويجهل تمامًا كيف يشتغل العالم وكيف تبنى الدول وكيف تبنى المجتمعات، فما بالك أن يعي تعقيد الأزمات السياسية والمسائل الاقتصادية وطريقة تفكير الآخرين المختلفين عنه.

الخطير في الأمر أنه حتى من أتيحت لهم الفرصة بالهجرة، لا يصحح الكثير منهم معتقداتهم الوهمية، حتى بعد أن حظوا بحقوقهم وحرياتهم وبأرقى الخدمات التي توفرها الدولة لهم كسائر المواطنين، وبعد أن عايشوا عن كثب حداثة المجتمعات الأوروبية.

كانت بضعة ألوف من الطلاب، الذين بعثتهم اليابان وكوريا الجنوبية إلى أوروبا وأمريكا خلال الستينيات والسبعينيات، كافية لصناعة نهضة البلدين بعد أن تعلموا من حداثتها، في حين أن كل بلد عربي اليوم له ملايين المهاجرين في كندا وأمريكا وأستراليا وفرنسا وبريطانيا، إلا أنهم بدون جدوى، فهم أنفسهم لم يتعلموا من حداثة أوروبا التي يعيشون فيها، فبالأحرى أن يفيدوا بلدانهم في شيء، باستثناء بعض القلة القليلة المتنورة.

فالشعوب العربية الإسلامية اليوم مستعدة للهجرة إلى أوروبا بالملايين مهما كانت المخاطر وبعد المسافة، لكنها ليست مستعدة للتصويت في بلدانهم على مشروع حداثي للدولة المدنية الشبيهة بدول أوروبا، إنها تفضل أن تعيش في رفاه أوروبا وفي نفس الوقت تذهب إلى أقرب مكتب لسفارة بلدها الأصلي، لتصوت على مشروع ديني سياسي ضد العلمانية، العلمانية التي وفرت لها الرفاه والحرية والمساواة وهبات حقوق الإنسان الذي تتمرغ فيه هذه الشعوب المهاجرة.

ما أحاول قوله في هذا المقال، ليس أن الإنسان العربي ليس من حقه أن يهاجر أو أن أوروبا وأمريكا دول ملائكية لا تخطئ، وإنما ألفت وعيه إلى مرض «الغرب فوبيا» الذي يسكن هذا الإنسان، وينفتح على العالم الفسيح بكل تلاوينه المتعددة والثرية، ويتخلى عن قالب الأبيض والأسود الذي يرى به الآخرين والعالم، ويعي أن التاريخ متغير ولا شيء ثابت، والأهم من كل ذلك أن يدرك أنه بدون التعلم من حداثة أوروبا لن تتحقق دولة الرفاه والحقوق والحرية التي يحلم بها في بلده.

 لأنه ببساطة كل الدول التي صنعت نهضتها، لم تفعل ذلك إلا بفضل الأخذ من مبادئ أوروبا الدستورية، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وإسرائيل والهند، وجميع هذه الدول لم تتخل عن تقاليدها ومعتقداتها الدينية، إن لم تكن أكثر تمسكا بثقافتها الأصلية من شعوبنا، بالرغم من نظامها العلماني، فعلى كل حال من يكره أن يعيش في مجتمع الحرية والمعرفة وحقوق الإنسان والمساواة بين جميع المواطنين بانتماءاتهم المختلفة في الحقوق والواجبات، مهما كانت تقاليده أو ثقافته أو دينه!

أو على الأقل إذا كنت تعتقد جازمًا أن كراهيتك لأوروبا وحداثتها مبررة وأبدية فلا تهاجر إليها، حتى تكون أكثر انسجامًا مع نفسك ومعتقداتك، وحتى لا تصل لمستوى «الوحش» من الانفصام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك