قراءة في الأدب السوداني

عندما فاز الشاعر الفرنسي الكبير «لوكليزيو» بجائزة نوبل للآداب سنة 2008 بدا الوجوم على وجهه في الوقت الذي كان من المفروض أن يظهر مشرق الوجه، وعندما سئل عن سبب وجومه قال: أشعر بالقلق لأنّ كل من هبّ ودبّ صار كاتبًا. وعلى ضوء ما قاله «لوكليزيو» نلحظ أنّ المتمعن في خريطة الأدب العربي، سيفاجأ بوجود نتاجات أدبية، أقل ما يقال عنها انّها تستحق الوقوف عندها لما تحمله من روح أنثروبولوجية وإستيتيقية هامّة. وفي هذا الإطار يندرج الأدب السوداني، الذي لم يلق للأسف حظّه في الوسط الأدبي العربي باستثناء الطيب صالح ومحمد الفيتوري. لكن هناك أسماء كبيرة أيضًا، جاد بها القلم الأدبي في السودان، لكن دون أن تلقى الاهتمام اللازم. لعلّ أهم أسباب هذا الإجحاف بحقّ الأدب السوداني هو عدم وصول الكتاب السوداني إلى القراء والنقاد عمومًا، وهذا يرجع لصعوبة نشر الكتاب السودانيين لإنتاجهم، كما أنّ للتغيرات الاجتماعية والسياسية الأثر الواضح في ذلك.

فالاضطرابات كثيرة هناك، وكثيرا كنّا نسمع عن تصاعد للتوتّر في عديد المناطق. وهناك سبب ثان، يتحمّل مسؤوليته الكتاب السودانيون والقراء والنقاد العرب على حدّ السواء، فقد تم الاكتفاء باسم الطيب صالح ومحمد الفيتوري، لكن من ينظر إلى قاعدة البيانات الأدبية والإبداعية في السودان الشقيق، ويتوقف عندها سيعثر على أسماء وأعمال لها وزن أنطولوجي مهم جدًّا، ونذكر على سبيل الذكر لا الحصر: إبراهيم إسحاق، محمود مدني، عيسى الحلو، مختار عجوبة، علي المك، بشرى الفاضل، عبدالعزيز بركة ساكن… ومن الشعراء، هناك أسماء لافتة من المجذوب إلى محمد أحمد عبد الحي، حتى الجيل الجديد مثل عاطف خيري.

في معرض حديثنا عن الأدب السوداني، لا يختلف اثنان في كون هذا الأدب سيظل نافذة مفتوحة في ثقافتنا العربية. وتاريخيًا فإنّ الأدب السوداني لم يكن مباعدًا عن الشعر العربي فى البلاد العربيه خارج السودان وخاصة في شبه الجزيرة العربية، بل كان مواكبًا فى جميع أطواره وهنالك مخطوطات تحوي شعرًا من نظم شعراء العاشر من محرّم (عاشوراء) في مملكة الفونج التي تأسست فى أول القرن العاشر الهجرى وأول القرن السادس الميلادى حين تغلبت الفونج على دولة النوبه الأرثوذكسية التي كانت عاصمتها سوبا، كما أنّ أصل الفونج عرب والدليل على ذلك أنه لما أراد السلطان سليم العثمانى الزحف على سنار بعد أمتلاكه سواكن ومصوع على البحر الأحمر ودخوله الحبشه خاطب عمارة دنقس أول ملوك الفونج يدعوه إلى الطاعه فأجابه عمارة بقوله: ولا أعلم ما الذي يحملك على حربي وامتلاك بلادي، إذا كان لأجل تأييد دين الإسلام فأنا وأهل مملكتي مسلمون ندين بدين رسول الله وإن كان الغرض ماديًا فأعلم أن أكثر أهل مملكتي عرب باديه وقد هاجروا إلى هذه اللبلاد في طلب الرزق ولا شيء عندهم تجمع منه جزيه سنوية.

ولقد عنى ملوك الفونج عناية خاصة بالإسلام واللغة العربية. هناك اختلاف حول الشعر السوداني في هذا العهد أكد بعضهم أنه كان بالفصحى وكان امتدادًا للفصحى فى جميع مراحلها وبعضهم يقول بأن هذا الشعر بدا عاميًا للتعبير عن حاجات النفس وارتباطها بالغناء بالإضافة إلى شعر يمدح النبي محمدًا. ولعلّ كتاب طبقات ود ضيف الله خير دليل على ذلك لاحتوائه على أنماط كثيرة من هذا الشعر، إذ يدور أساسًا حول عنصري المدح والرثاء وخاصة حول بعض التهويمات الصوفية. وامتدادًا لتاريخ الأدب السوداني، نشير من زاوية أخرى لعصر النهضة الأدبي الذي رقن معالم الامتداد الفكري في السودان.

ولعل من أبرز أسباب النهضة الأدبية السودانية، بداية التعليم وإنشاء كلية غردون التي أتاحت لطلابها دراسة اللغة الإنجليزية، وقيام المعهد العلمي بتهيئة الدارسين لمعرفة اللغة والفقه والشريعة الإسلامية، ثم صدور الصحف والمجلات، التي كان أهمها مجلة النهضة التي صدرت عام 1931، ويحرّرها محمد عباس أبو الريش، ثم جاءت من بعدها مجلة الفجر عام 1934، والتي كان يقوم بتحريرها عرفات محمد عبدالله. كما تجدر الإشارة إلى عديد المنجزات في فترة الثلاثينات، لأهمية هذه الفترة الزمنية من تاريخ السودان، بما اتّسمت به إرهاصات النهضة الحاضرة، بجميع مظاهرها من أدبي واجتماعي وتاريخي وسياسي وفلسفي، فقج أدرك أبناء هذا الجيل بعد تجربة ثورة 1924، أن الحركة القومية السياسية تحتاج لكي تنمو وتشتدّ إلى ثقافة حقّة، مدركين أن الإطلاع والدراسة هما أفضل السّبل لنيلها كما يقول محمد أحمد محجوب في مقالته يومها «نحو الغد».

لكن الشعر والقصّة داخل البيت الأدبي السوداني لم تكن بنفس حجم تأثيث الرواية لهذا البيت، فالرواية السودانية يمكن حصرها في مراحل ما قبل الاستقلال وما بعده. ناهيك أنّ التجارب الروائية قد نهلت تقريبًا من جميع المدارس الأدبية، فقد أخذت بالمدرسة التقليدية والحديثة والتجريبية في سرد متكامل كلاسيكي وشبه حداثي ثمّ حداثي وما بعد حداثي خاصّة مع «بركة ساكن». كما شمل الشكل الروائي لتعدد الأصوات وتبنّي الموقف السردي الدرامي والتراجيدي من جهة والخطاب العبثي والكوميدي من جهة اخرى. اضافىة إلى ما عملت عليه الرواية السودانية من مناقشة العوامل الاجتماعية والمتغيرات السياسية والاقتصادية.

والمدقّق في جلّ الأعمال الأدبية السودانية، سليحظ حضور المكان والجغرافيا في صورة شبه مقدّسة، فكان الشمال في البنية السردية يقارب الجنوب، وروح الجنوب تحلّ في العقل الجمعي للشمال، وكانت الصورة الأشمل في الذاكرة الجماعية للحروب الاهلية التي تداخل فيها أهل الشمال وأهل الجنوب. ونذكر مثلا رواية «مندكرو» لمروان حامد الرشيد، و«آخر أيام شاب جنوبي» للروائي والقاص أمير صالح جبريل.

دون أن نفشي سرًّا حين نقول أنّ رواية «مندكرو» مثلًا قد كتبت بانحياز مفضوح للجنوبيين، وصورتهم كضحايا لقهر الشمال، لكن في الوقت ذاته حملت رؤيا أشبه بالرؤية تصرّ على أن الجنوب والشمال سيندمجان ويتوحدان كوجدان واحد. أما في حضور قطب الرواية السودانية والعربية عموما صاحب موسم الهجرة إلى الشمال، فالخطاب الملهم في قراءة الموقف النقدي له أثره في توصيل الثقافة السودانية بكل خصوصيتها وتفردها في العالم العربي من خلال هذا الإلهام، حيث أطلّ علينا صالح بصورة جديدة تسعى إلى سبر غور ما حمله موسم الهجرة من نماذج تعتمد على التحليل العلمي والنفسي والنظرة التواصلية الشاملة.

من جانب آخر وغير بعيد عن طريق صالح، شقّ سرد إبراهيم إسحاق طريقًا موازيًا نحو صرح الإبداع السوداني، عبر ما قام به في معالجة لبيئته ولغته العامية التي يتحدثها سكان إقليم دارفور جنوب السودان. ونفرد هنا ما ذهب إليه الناقد مجذوب عيدروس في تناوله لإبراهيم إسحاق حيث أوضح أنّ إسحاق استفاد من مخزونه الهائل من الحكايات الشعبية وخلط التراث مع المادة التاريخية ومنجزات الرواية الأوروبية… كما أنه حاول عبر ذلك المزج في رواياته أن يبلغ ذرى الرواية العالمية في نماذجها الأثيرة عند فولكنر وشولوخوف وجيمس جويس وغيرهم.

أما في خانة السرد النسوي في الأدب السوداني، فقد اقتصر دوره تقريبًا في وضع المرأة السودانية في مسارها الإبداعي ضمن كوكبة الرائدات العربيات الحداثويات اللواتي تناولن المسكوت عنه في المجتمعات العربية المحافظة، على غرار «ملكة الدار محمد» كإحدى رائدة الكتابة النسائية والسردية في السودان، و«بثينة خضر مكي» في مقاربتها السردية لمعالجة القضايا الاجتماعية الطارئة دون ان نغفل انحيازها التام إلى المرأة مع محاولة وضع الرجل في موضعه الذكوري المشرقي، في صورة الظالم ووضع المرأة في صورة الضحية لهذ المجتمع الذكوري.

ختامًا، نستخلص في النهاية أن الأدب السوداني عموما، ظلّ منذ بدايته يرصد ويوثق التحولات الاجتماعية والثقافية في السودان، لكن هذا لن يمنعه من كونه عملاق قادم على مهل، لهذا نقول انتظروا هذا العملاق الذي يغيّر وجه الأدب كما فعل الأدب الروسي يومًا ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد