أرسل لي صديق بالأمس رسالة يدعوني فيها لحضور محاضرة للتنمية البشرية، تدور حول كيفية تطوير الذات وتحقيق الأحلام والسبيل لعيش حياة أفضل، لا أعلم مصادفة هي أم ترتيب قدري أن تصلني الرسالة في خضم متابعتي لأوضاع المنطقة العربية، وطننا الأكبر، انتابني مزيج من الدهشة والغبطة والحسد للشباب الذين ما زال يملؤهم الأمل والطاقة والحماسة وسط هذا الجو المعتم شديد الظلمة الذي نحيا فيه، أي محاولة لتطوير الذات يمكن أن تنجح وسط منطقة مشتعلة تعبث بها الأيادي الخارجية دون أن تحرك ساكنًا؟ أي أمل يمكن أن ينبعث بجوار كل هذه الدماء والجثث الملقاة يمينًا ويسارًا؟ أي وعي يمكن أن يتشكل في وطن لا يهوى القراءة ولا يهتم بالبحث والمعرفة ولا يقرأ فيه الفرد سوى أربع صفحات في السنة حسب إحصائيات منظمة اليونسكو؟ أي ثروة يمكن أن تتحقق وسط شعوب يعيش نصفها تحت خط الفقر والبقية تعاني كي تجد قوت يومها ويسيطر حفنة قليلة منها علي جميع الثروات والخيرات؟ أي عزة وكرامة يمكن أن تترسخ في وطن محتل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا تقصف فيه طائرات العدو قنابلها علينا من قواعدها الجوية على أراضينا؟ أين هي ذاتنا الذي سنقوم بتطويرها؟ وأين هي هويتنا التي سنحافظ عليها؟ أصبحنا أمة بلا هوية وبلا ثقافة وبلا عادات، نسمع الموسيقي التي يريدنا الغرب أن نسمعها ونشاهد أفلامهم ونتلقى أفكارهم ونرتدي ملابسهم ونمارس نفس نمط معيشتهم، فأصبحنا أمة ممسوخة مقتلعة من جذورها لا تمارس أي تأثير على الآخرين، بل لم تعد تملك التأثير على نفسها، لقد كافأنا الله بأننا ولدنا في هذه المنطقة الأصيلة، ولكنه بذات الوقت ابتلانا بأننا هبطنا عليها في هذا التوقيت، التوقيت الذي تاهت فيه المنطقة عن نفسها فلم تعد تعي جغرافيتها ولا تاريخها ولا ثقافتها ولا حاضرها، ولدنا في أمة حائرة تائهة ينتهك حرمتها أي مغتصب ويحصد خيراتها أي طامع، تولى أمرنا مجموعة من التافهين الوصوليين أصحاب النفوس الضعيفة والرؤيا المعدومة والثقافة المحدودة، أشخاص باعوا في سبيل كرسي العرش كل ما نملك من ثروة وعزة وكرامة ونخوة، أفقدونا المخزون الذي تركه لنا السابقون وتركونا في العراء بلا ملبس أو مأوى أو دليل نهتدي به، انعدم أمامنا الأمل وضاع منا الحلم وفقدنا الرغبة والطموح، أي هجرة لمستقبل أفضل أصبحت من المستحيلات، وأي هجرة لواقع مختلف وحياة آدمية باتت من الوهم والخيال، أصبحنا فقط نتابع بعضنا ونحن نهاجر للدار الآخرة، نسكن المقابر التي باتت تنتظرنا كلا حسب دوره، كل منا ينتظر موسمه وأوانه، في منتصف القرن الماضي بدأ موسم هجرة أبناء فلسطين إلى الدار الآخرة، وتبعهم أبناء العراق عندما حان دورهم، اليوم يأتي موسم أبناء سوريا واليمن، وغدًا سيأتي درونا جميعًا، فالمواسم في وطننا العربي قد تتأخر وقد تزور البعض قبل الآخرين، لكنها حتمًا ستأتي وسيحصل كل منا على حقه الكامل كي يكون أحد المشاركين في مواسم الهجرة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهجرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد