بهذا السؤال بدأ إغواء إبليس اللعين لسيدنا أدم أول من خلق الله وأول من سكن الجنة من البشر وأول من حمَل الأمانة التي أبت أن تحملها الجبال والسموات والأرض على الرغم من عظم هذه المخلوقات، ولكن كما قال الله تعالى “أشفقن منها وحملها الإنسان”،

ولكن لِمَ يبحث الإنسان عن شجرة الخلد؟

لِمَ يبحث عن الملك الذي لا يبلى؟

لِمَ يبحث عنه في دنيا تبلى وتفنى؟

لماذا دفن الفراعنة ثرواتهم وعملوا تماثيل من أجسادهم؟

وماذا عن بلد الفراعنة؟ ماذا عن مصر؟

توهمنا أننا في فترة يمكننا أن نسقط فرعونًا وتأكدنا بعدها أن مصر بلد الفراعنة بحق، لن تبرح أن تزيل فرعون إلا ويطل برأسه فرعون آخر بل يصبح أكثر فرعنة مما قبله.

ففي مصر تجد الفرعون في كل قطاع وفي كل إدارة وفي كل شباك تطل به الحكومة على شعبها الذي أصبح “قد الدنيا” لا تتعجب من هذا الكشك المتواجد بجانب القسم الذي ذهبت لعمل محضر بريء بسبب ظلم أو اعتداء لأنه سيطلب منك علبة سجائر من النوع الغالي وسيطلب منك الشاي والقهوة و”الموغات” لبلد حبلى بالظلمات.

يا صاحبي السجن

وهناك بين تلك الجدران التي لم تتخذ لها لونًا سوى اللون الرمادي الباهت المبعث على القلب القتامة والكآبة والحزن، يقنط هذا السجين، يشتبه ليله مع نهاره، يحيا على أمل أن يرى النور يومًا ما لا يعلم مداه، لا يعلم ما قضيته ولكنه سُجِن ليعيش معبد الفرعون.

سجن كل من لا يستطيع أن يعيش معهم في المعبد، يردد ما يقولونه للفرعون، يصمت إذا أمر ويتكلم إذا أراد وبما يريد هذا الديكتاتور الفرعون، سجن كل من لم يتبتل للفرعون ولم يغرد له ولم يظهر له ولاءً ولا انتماءً.

وماذا عن سجن الوطن؟

فالسجين هو حر الفكر، هو الذي دافع عن أفكاره وسجن جسده، ولكن ماذا عمن صمت وعاش داخل حدود السجن الملتف حوله داخل حدود وطنه، فقد أثبت لنا التاريخ أن أفكار المسجونين كانت أكثر الأفكار حرية وانتشارًا لم يذكر التاريخ كثيرًا ممن عاشوا في سجن أوطانهم صامتين، بل عج التاريخ بكثير من الكتب التي كتبها كثيرون، فقد كانوا مسجوني الأجساد أحرار الأفكار.

وهناك كثير من العظماء دخلوا السجون بدءًا من سيدنا يوسف عليه السلام مرورًا بابن تيمية، أحمد بن حنبل، العز بن عبدالسلام، الإمام أبو حنيفة، أحمد ياسين وغيرهم.

وكما قال أنيس منصور كأنهم كانوا في حاجة إلى السجن لكي ينطلقوا. كأنهم كانوا في حاجة إلى عزلة تامة ليكملوا الصورة العقلية الناقصة، وعندما خرجوا من السجن لم يعبروا ولا هاجموا الذين حبسوهم، وإنما شكروهم على أنهم أعطوهم هذه الفرصة السعيدة بأن يكونوا وحدهم بعيدين عن الناس والقيل والقال وضوضاء الساسة وشوشرة الحياة.

هتلر ألف في السجن قصة حياته بعنوان «كفاحي»، والأستاذ العقاد شتم الملك فؤاد فسجنوه وقال لنا العقاد إنه في سجنه خطرت له أفكار كثيرة. وأقسم – ولم يستطع أن يفي بالقسم- قال إنه مهيأ تمامًا لشرح القرآن الكريم شرحًا حديثـًا، وسوف يبدأ بسورة النور وسورة الرحمن وسورة هود، ولكن المرض قد أعجزه عن كل ما وعد وتوعّد، يرحمه الله.

أدب السجن:

هل مَنَّ الله عليك بالسجن؟

ولو لم أُجربه؛ فكيف أدعي أنني خبِرتُ الحياة؟ وأعي قدر الحرية، وأفهم نفوس البشر، ومعاناة الوحشة والغربة، ولواعج فقد المال والأهل والولد، والشوق والمحبة والكره والكرب والصبر والعذاب الحسي والمعنوي.

ليست المعاناة في هذا القبر المظلم هو ما سبق!!

ولا حتى تلك الصراصير الملتصقة بالجسد، ولا الفئران القذرة التي لا تكف عن الحركة

إنما العذابات في الظلم والظلم وحده.

هكذا قال الشاعر سامح عبد الحميد حمودة عن السجن

أهاجر وأسيبك لمين؟

أغنية رددناها كنا نظنها حقيقة، “هنسبها لمين”؟ الإجابة ببساطه “لهم” هي ليست بلدنا ولا أرضنا الآن وبكل قوة أؤكد أن الهجرة من بلد كهذه “حلم” لكل من رأي ظلمًا وزورًا، فقد تأكدنا أنها ليست بلدنا بل بلدهم، وبأن (هما شعب وإحنا شعب)، فلن أدلك على ملك لا يبلي ولكن كل الفرعون لابد له أن يبلى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد