لا توجد حقيقة ننظر إليها على أنها خيال وكذبة كبيرة لن تتحقق أبدًا كالموت، ولا يوجد وهم سريع الانفلات ونتعامل معه كحقيقة لن تزول أبدًا كهذه الحياة الدنيا.. فما هو السر في ذلك؟ هل الإنسان مفطور على الحياة الأبدية أو أنه مصنوع من شيء أبدي لا يموت ولا يفنى ولا يتعرض لعوامل الحت والتعرية؟ ما هو السر لرفض الموت وعدم تقبله على أنفسنا رغم الأعداد التي ترحل دائمًا على أعيننا أو مسامعنا؟

هل يمكن أن يكون الخلود هو المحرك الخفي للإبداعات البشرية؟

هناك شهوة خفية في الإنسان قد تكون هي المحرك للكثير من إبداعات الإنسان وحبه للشهرة والظهور، وهي شهوة الخلود، لذلك يطمح لأي شيء يحفظ له أي نوع من أنواع الخلود كأن يصبح عالمًا.. فيلسوفًا.. أديبًا.. شاعرًا.. رسامًا.. مطربًا.. كثرة التقاط الصور والفيديو… إلخ.

إنَّ عقل الإنسان لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن يقبل أنه سوف ينتهي في يوم من الأيام ويذهب إلى التراب والعدم؛ لأنَّه يدرك في قرارة نفسه أنَّ هناك أبدية وهناك حياة خالدة، حتى وإن مات أي إنسان أمامه فإنَّ أمر الموت – كما عبر عنه الدكتور مصطفى محمود – لا يهمه أبدًا، فهو يصدق أنَّ فلانًا قد مات ولكنه يعود لكي يجري حوارًا مع نفسه يطمئنها بأنه خارج هذا الأمر ولن يموت.. وإن قال وردد أمامنا عبارات مثل كلنا على هذا الطريق فهي لا تعدو أن تكون صف كلمات غير مقتنع بها أبدًا.. الإنسان لا يعرف نفسه أنه سيموت فعليًا إلا لحظة الموت عندها يصل إلى قناعة تامة أنه قد انتهى.

وبما أنه يئسَ أنْ يحصلَ على هذا الخلود باستمرار الحياة، فقد رضيت نفسه بأن يكون له أي نوع من الخلود، ولو ذكرى أو كلمات.. أو أي شيء يُبقِي له جزءًا من السِّيرة، مثلًا أرسطو مات منذ أكثر من 2300 سنة، ومع ذلك لا يزال اسمه خالدًا إلى يومنا هذا.. وهذا نوع من أنواع الخلود، ولون من ألوان البقاء، وأنت أيضًا لم تلتق بمارادونا في حياتك كلها، ولكن مع ذلك عندما يذكر اسمه أمامك تشعر بوجوده وحياته معنا، وكذلك ذكر اسم أرسطو بالضبط كذكر مارادونا وكأن الرجل موجود ويعيش الآن في دولة أخرى، صحيح أنه مات وكان يضحك على نفسه، ولكنه قد قبل بهذا الخلود المعنوي الذي جعله موجودًا بيننا حتى يومنا هذا؛ لأن الإنسان في النهاية ما هو إلا مجموعة من الصور والأصوات والكلمات التي تدخل إلى رأسك وعندما تشاهد الآن فيديو لشخص قد مات منذ 50 سنة، فهو بالنسبة إليك ليس بميت طالما أنك ترى صورته وتسمع صوته، هو ميت بالنسبة إلى نفسه، وليس بالنسبة إليك.

وهذه المشاهدة لهذا الميت لا تفرق كثيرًا عن رؤيتك لفيديو لشخص حي ويعيش الآن في دولة أخرى، وحتى الرجل يتزوج لكي ينجب ولدًا يحمل اسمه من بعده، وكذلك العلماء يَصِلون الليل بالنَّهار في البحث العلمي ضمن فروع الفيزياء، والكيمياء، والطب، والهندسة وعلوم الكون.. عسى أن يصلوا في يوم من الأيام إلى سر الخلود والحياة الأبدية، ويُقال إنَّ البارود قد اكتشف بالصدفة عندما كان الكيميائيون في الصين يبحثون عن إكسير الخلود، وإنَّ كثيرًا من الأشياء التي نُغلِّفُها بهدفٍ سَامٍ كنُصرة حق أو علم أو أي شيء تكون وراءَها شهوةُ الخلد الخفية، وما تجرأ أبونا آدم عليه السلام على الشَّجرة إلا طمعًا في هذا الخلود: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِين.

يقول الشاعر عمر الخيام: 

كُنّا فَصرنا قطرةً في عُبَاب

عِشنا وعُدنَا ذرّةً في التُّراب

جِئْنا إلى الأرضِ ورِحْنَا كَمَا

دبَّ عليها النَّملُ حِينًا وَغَاب

 

قَلبِي في صَدري أَسيرٌ سَجِين

تُخجلهُ عِشْرَةُ ماءٍ وطين

وكَم جَرى عَزمِي بتحطِيمِهِ

فَكَانَ يَنهاني نداءُ اليَقين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد