إن النظام السياسي في الدولة يعبر عن الإستراتيجية التي تتبعها في اتخاذ القرارات وتطبيق القوانين، لهذا يعد تطوير النظام الديمقراطي في الدولة والإصلاح السياسي من أهم العوامل التي تؤكد ديمومة المجتمع المدني واستقراره. إن تحقيق نظام ديمقراطي شفاف في الدولة ينبثق عنه مجالس نيابية وحكومات برلمانية هو الخطوة الأولى نحو تعزيز الاقتصاد الوطني وتطوير الخطط الاستثمارية في الدولة. ولأجل ذلك يعد الإصلاح السياسي، والذي يكمن في قيام حكومات برلمانية فاعلة الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد وطني قوي، وهذا يكون من خلال العمل الدؤوب والمستمر على تعديل التشريعات الاقتصادية والاستثمارية لجعل البيئة الاستثمارية في المنطقة بيئة آمنة ومواكبة للتطور. حيث إن جوهر الديمقراطية بمفهومها التاريخي والاجتماعي هو جوهر اقتصادي، وليست السياسة إلا منهجية متفق عليها لإدارة البرامج والخيارات الاقتصادية المتاحة. فالديمقراطية كانت وما زالت آلية لتحقيق مصالح الناس، وفي الغالب هي مصالح اقتصادية ترتبط بالعيش الكريم والعدل والحرية.

إن تكوين مجتمع ديمقراطي متقدم في الأردن هو نتاج التعلُّم والاستفادة من التجارب التي مر بها المتمثلة بالتحديات والصعاب التي اجتزناها وتخطيناها، وهذا المجتمع يجري تكوينه من خلال مراحل إصلاحية تغطي جوانب الحياة الديمقراطية جميعها. فالإصلاح الديمقراطي لا يختزل بمجرد تعديل للقوانين والأنظمة، إنما يتطلب تطويرًا مستمرًّا للمنهاج الذي يحكم الممارسات والعلاقة بين المواطنين، والجهاز الحكومي، والنواب الذين يحملون أمانة ومسؤولية اتخاذ القرار بالنيابة عن المواطنين الذين انتخبوهم. إن الهدف الأساسي من الإصلاح وقيام المؤسسات الديمقراطية هو تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، من خلال تعميق نهج الحكومات البرلمانية، بحيث نصل إلى حكومات مستندة إلى أحزاب وطنية قادرة على تحقيق حضور فاعل في مجلس النواب، يجعلها قادرة على تشكيل حكومة أغلبية على أساس حزبي.

إن قيام الحكومات البرلمانية وتنشيط دور الأفراد والأحزاب في اتخاذ القرارات من خلال منحهم فرصة عادلة للترشح للمجالس الانتخابية سيعطي فرصة للشباب والأحزاب في طرح ومناقشة برامج اقتصادية تساعد على تطوير النمو الاقتصادي في الدولة وخفض البطالة وتحفيز الاستثمار. فهنالك العديد من المؤسسات التعليمية في الأردن التي تحتوي فئة كبيرة من الشباب الطموحين للتغيير والعطاء التي ما زالت تنتظر الفرصة للمشاركة في صنع القرار ووضع البرامج الإصلاحية. إن قيام المجالس البرلمانية سيعطي فرصة لكافة فئات المجتمع والأفراد بالمشاركة السياسية الفعالة والنقد البناء لبعض القوانين والأنظمة التي تحتاج إلى التطوير. إن الركيزة الأساسية للتطور الاقتصادي هي بناء خطط وبرامج إصلاحية تحفز على جذب المستثمرين من الخارج لفتح مشروعات واستثمارات داخل الأردن. وهذا سينعش الاقتصاد الوطني مؤديًا إلى نقصان نسبة البطالة وزيادة دخل الأفراد. إن قيام الحكومات البرلمانية تعطي فرصة لجميع الأحزاب وحتى الأفراد لعمل الأبحاث والدراسات المتعلقة في جميع جوانب الحياة في الدولة كي تحسنها، وهذا التنافس سيجذب العديد من المفكرين والطلاب للاستفادة من علمهم وخبراتهم من خلال صبها في بناء مشروعات تنموية وبرامج وطنية إصلاحية مبنية على البراهين والأبحاث، فالثروة البشرية هي أغلى ما يملك الأردن من ثروات.

يتمثل مفهوم الحكومة البرلمانية في ترتيب العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على أن تكون السلطة التنفيذية خاضعة لمساءلة مجلس النواب، والذي بدورة يعطي الثقة للحكومة أو يحجبها، وإقامة حكومة برلمانية تتطلب جهدًا فرديًّا ومجتمعيًّا، فنحن نحتاج إلى بروز أحزاب وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح وأولويات المجتمع المحلي ضمن برامج وطنية فعالة مبنية على أسس علمية قابلة للتطبيق على أرض الواقع. ولا شك أن هذه العملية تحتاج إلى وقت حتى تكتمل بأحسن صورة. كما أننا نحتاج إلى تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب تطويرًا يعزز من فعالية نهج الحكومات البرلمانية، وعلى مجلس النواب المباشرة بذلك والاستمرار في بناء هذه الأعراف وتطويرها كي ترسخ مبادئ الحوار والنقاش، للوصول إلى حلول وسطية بين الكتل النيابية المشاركة والأعضاء. كما أن واجبنا كمواطنين لا ينتهي بمجرد القيام بعملية التصويت في أي انتخابات وطنية، بل يمتد ليشمل التزام كل مواطن بالمشاركة الفاعلة في الحياة المدنية والسياسية بشكل يومي، من خلال الانضمام إلى الأحزاب السياسية والتعبير عن الرأي وفق القانون والمشاركة في المؤسسات المدنية.

يتطلب بناء اقتصاد وطني قوي مشاركة شعبية من كافة فئات المجتمع في صنع القرار، فالمشاركة السياسية هي واجب قبل أن تكون حقًّا، ومسؤولية علينا تأديتها بأدب واحترام متبادل فيما بيننا. لدى الأردن فئة كبيرة من المتعلمين الذين كانوا وما زالوا يلجؤون إلى بلاد أخرى كي يطبقوا ما تعلموه وكي يحولوا المدخلات العلمية التي تلقوها إلى مخرجات تطبيقية وحلول للعديد من الأزمات والمصاعب، والأردن أولى بتلك الطبقة المتعلمة من الدول الأخرى بكونها مكانًا ترعرع فيه أبناؤه، ولا سيما أن الأردن يواجه الآن تحديات إقليمية غير مسبوقة تحيط به وترهق اقتصاده تحتاج إلى حلول مبدعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد