كلنا سمعنا ودرسنا مصطلح «الإمبريالية»، المرتبط بالقوى العظمى الاستعمارية التي جابت العالم شرقًا وغربًا منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، تخللت هذه الفترة التي تقدر بحوالي 200 سنة، حربين كبريتين حصدت نيرانها ملايين الأرواح البريئة، نار لم تفرق بين البريء والمذنب، وبين العربي والأعجمي، حروب حركتها أياد خفية، غايتها الكبرى السيطرة على مقدرات الدول والشعوب، خدمة للحركة الصهيونية، لتهيئ لها الأرضية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية، لتمرير مصالحها في الشرق الأوسط بهدف تطبيق مشاريعها الهدمية في المنطقة، أي اغتصاب أرض إخواننا الفلسطينيين المباركة، وأهداف أخرى لا يعلمها الا الله سبحانه.

هذه الأمواج الإمبريالية المتوحشة، التي انقضت بلا هوادة وبلا رحمة على أعناق الشعوب المستضعفة، من أسيا الشرقية حتى أمريكا اللاتينية، وكما لكل فعل رد فعل، ولدت حركات مناهضة لهذا الوحش القاتل، انتظمت وتهيكلت تحت أيديولوجيا واحدة هي «الشيوعية» أبوها المؤسس كارل ماركس بمعية رفيقه فريدرك انجلز، كان فكرها يستقطب الضعفاء والعمال الكادحين، أو طبقة «البروليتاريا» كما تسمى في الأدب الشيوعي، ممن همهم عيش حياة عادلة.

هنا ظهر دور الفكر في تحريك الشعوب، فكان لهذه الحركة رجال ذوي كاريزما عالية وحماس متقد، نفخوا لهيبها مثل لينين تروتسكي في روسيا، خاطبوا حاجات الشعوب وحرضوهم على القيام بالثورة الدائمة، فانتشرت العدوى كالنار في الهشيم، فظهر صوت ماو تسي تونج، وهاو تشي منه في آسيا، ورد عليهما من أمريكا اللاتينية صوتان مازال تأثير صداهما في الآذان والمضاجع إلى يومنا هذا، هما: تشي جيفارا وفيديل كاسترو، اللذان أشعلا حماس العالم ولهيب الثورات فلم تهدأ الأرض بعدهما، ولم يأمن منذ ذاك الحين ديكتاتور على كرسي حكمه، ولكن الهزات المتتابعة التي أحدثها زلزال الثورات، هدمت أكثر مما بنت، وأضاعت أكثر مما أكسبت، فسقطت راية الشيوعية وسقط معها الاتحاد السوفيتي، فتفردت أمريكا بالزعامة على العالم.

هنا دخلنا مرحلة من الإمبريالية أخطر من تلك السابقة المسلحة، أي تحولت إلى عبارة عن حملات من السيطرة على العقول والتلاعب بها وغزو الشعوب فكريًا، فصاغت مشاريع كالعولمة والكونية والنظام العالمي الجديد، فانطلقت تشحذ أموالها، وعلماءها، وجامعاتها، ومنظماتها الثقافية، والإعلامية، والحقوقية، والاقتصادية، لهذا الغرض الاستعماري الجديد، احتلال خفي قاتل كالسرطان، وفي أغلب الأحيان لا يتبعه رد فعل، وهنا يكمن مربط الفرس في اللعب على معتقدات الناس والسعي لبلورتها على هوى ومقاس القوى الغازية، فأبدعوا في الموضة والسينما والفنون في شتى أنواعها وألوانها، لأمركة العالم وجعل جميع الشعوب، وخاصة شبابها حلفاء لها وبرضاهم.

فانطلقت تنشر الأفكار الغريبة وسط المجتمعات خاصة العربية المسلمة، مستغلين الأنظمة الديكتاتورية التي خلفتها الثورات الشيوعية، فسعت لنشر الديمقراطية حسب الرؤية «الصهيو – أمريكية» في العالم والدول العربية خاصة، ولهذا الهدف تم إنشاء منظمات سياسية تدرب الشباب بغية الاطاحة بالأنظمة، كمعهد «ألبيرت أينشتاين»، مؤسسة «جين شارب»، صاحب كتابه الجد مشهور «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»، وكل الحركات تنفذ في صمت وبطرق سلمية خادعة، أساليبها وأدواتها قد عرضت بالتفصيل والتحليل، في الكتاب السابق ذكره، كيف يتم القضاء على الانسان في ظل غزو فكري شرس.

تعال معي يا صديقي القارئ نحلل الموضوع جيدًا، سأشبه الأفكار الهدامة برقاقة تزرع في الدماغ، تخيل معي شريحة فاسدة مهمتها السيطرة على الجهاز العصبي المركزي، ترسل تيارات هي «الأفكار التي تولدها»، تعمل على تشويش الإدراك ومع مرور الوقت ينحدر مستواه فينعكس بالضرورة على الأخلاق، ثم يجد الشخص المواد المخدرة والإدمانية بمتخلف أنواعها في متناوله، فيتعاطاها لتدعم عمل الأفكار الفاسدة وانتشارها، هذا تشبيه بسيط.

فخطورة المواد الإدمانية، التي توجهنا القوى المسيطرة لاستهلاكها،  تكمن في تأثيرها على بنية الدماغ، وعلى عملية افراز الهرمونات، من طرف شبكة من الخلايا تسمى «شبكة المرسلين»، سميت بهذا الاسم لدورها في نقل الهرمونات المسؤولة عن حالتنا النفسية كهرمونات السعادة والمتعة والتوتر واللذة، ففي حالة التأثير عليها بشكل سلبي، ستتغير سيكولوجية الفرد إلى الأسوأ، ومع وجوده وسط بيئة محبطة وظروف قاهرة كما هو الحال في الدول العربية، سيغرق في حياة تملؤها مشاعر الغضب والخوف والضيق والحزن، كلها مشاعر مسببة للأمراض النفسية والجسدية، كالاكتئاب والذهان وانفصام الشخصية والصرع وحتى الجنون، إلى أن يتحول الانسان إلى مجرد جسد بلا روح.

هكذا يا صديقي القارئ، تتم عملية غزو اللاوعي للقضاء على الإنسان والعربي خصوصًا، بطرق ممنهجة أدواتها وسائل الاعلام، والدعاية المغرضة التي يحبذ الأكاديميون والمثقفون تسميتها بـ«البروباجاندا»، وأيضًا لا ننسى التعليم الموجه، والمواد العلمية المزيفة.

فمع التكرار والتعود نتبنى أفكار ومعتقدات، ندافع عنها ونروج لها بتعصب في ظننا انها ملكنا، والحقيقة الخطيرة أنها قد وضعت في لا وعينا على غفلة منا، خلال مراحل نمونا المختلفة، ثم نجد أنفسنا نعمل لصالح القوات الاستعمارية لنعطيها في الأخير بأيدينا مفاتيح أوطاننا.

يلبسون الحق بالباطل والباطل بالحق، يوضفون آخر ما وصلوا إليه في علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلوم الأعصاب، والدماغ، فبداية يضربون الأخلاق ويزرعون في النفوس الشك في المسلمات واليقينيات الدينية، يروجون للحرية العشوائية، فتحدث الفوضى، وما يتبعها من انفلات تؤجج وتيرته، الحملات الترويجية للجنس والمخدرات، كنتيجة حتمية تتخرب العقول، وتسقط في هوة الضياع ويدب فيها اليأس، ويتحول الإنسان إلى مجرد دمية يتلاعب بها، ثم تسقط الأوطان وتسرق الخيرات.

فالغزو الفكري الذي أطلقت عليه تسمية «الإمبريالية الفكرية» يصل بالمجتمعات المستهدفة إلى قمة الاستعباد والتبعية وفقدان الذات والهوية، مع ظن أفرادها جهلًا أنهم أحرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد