تعرّضنا في الجزء الأوّل لأحداث طبعها السقوط في تاريخ الحضارة العربية والإسلاميّة (سقوط بغداد على يد التتار وسقوط غرناطة) ثمّ شرعنا في الغوص في تداعيات أهمّ أحداث السقوط التي طبعت التاريخ المعاصر (سقوط جدار برلين، سقوط صواريخ عراقية على إسرائيل) ونواصل في هذا الجزء تناول بعض الأحداث المعاصرة الأخرى:

سقوط برجي مركز التجارة الدولية بمانهاتن في 11 سبتمبر 2001

مثّلت ضربات 11 سبتمبر صدمة للرأي العام الأمريكي والعالمي الذي عذّها ضمن خانة حدوث غير المألوف وغير المتوقّع. فتناولها المحلّلون بالدرس والتمحيص، ووقع تشريح أسبابها والغوص في أبعادها ونتائجها. بل ربّما وصل عنصر الدهشة والمفاجأة لدى البعض إلى صياغة مقاربات تشكّك في هويّة الجهة المسؤولة والمخطِّطة لهذه الاعتداءات. إنّ تبني منظمة القاعدة لاحقًا لهذه الضربات يطرح تساؤلات حول علاقة الولايات المتحدة بالحركات المتطرّفة ودور هذه الأخيرة في التوازنات التي عقبت سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة.

لا تخفى على المتابع للأحداث طبيعة المساندة اللامشروطة التي وفّرتها الولايات المتحدة لمنظمة القاعدة وكل المنظمات الجهادية الأخرى إبّان الحرب الروسية–الأفغانية وذلك في إطار خطة مرحلية لضرب الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية ككل. وبعد سقوط المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة، تواصل تنامي دور الحركات الأصولية المتطرفة التي أصبحت تطرح نفسها كبديل لتحقيق التوازن والحدّ من السيطرة المطلقة للولايات المتحدة. وربما كان ذلك نتيجةً حتميّة لصيرورة الأحداث التي تكره الفراغ؛ أو ربما عملت الولايات المتحدة على تكريس تنامي هذا الدور لاستكمال تنفيذ برامجها الإستراتيجية التي تستوجب وجود عدوّ وخطر دائمين دون أن تتوقّع أن يصل الأمر إلى «عولمة الإرهاب» وتلقّي ضربات موجعة في عقر دارها!

وبقطع النظر عن الآثار النفسية السلبية للضربات على الولايات المتحدة (حكومة وشعبًا) وعن دورها في اهتزاز صورتها كأقوى دولة في العالم، فإنّ انعكاساتها السياسية، والاقتصادية، والحضارية مثّلت منعرجًا في التاريخ المعاصر:

كانت ضربات 11 سبتمبر، وما أنتجته من سياسات ومبادرات أمريكية، سببًا في إعادة النظر في مفهوم النظام العالمي الجديد ومدى قدرة الولايات المتحدة على الالتزام بمبادئه لقيادة العالم. حيث كانت دعائم هذا النظام الدولي ترتكز على حزمة من القيم الكونية كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاحتكام للشرعية الدولية لتسوية الخلافات سلميّا. غير أنّ ظهور شعار «الحرب على الإرهاب» وما شرّعه من سلوكيّات وممارسات اعتُبِر تراجعًا عن القيم والمبادئ الكونية التي كان يتلحّف بها «النظام العالمي الجديد» كما أسلفنا. فقد تكثّفت حملات التفتيش في المطارات وغيرها وسُمِح بالتصنّت على الأفراد وباستباحة معطياتهم الشخصيّة ممّا مثّل حدّا للحرّيات واعتداء على مبدإ حقوق الإنسان. كما استعملت الولايات المتحدة شعار الحرب على الإرهاب كمطيّة لتتصرّف بحرّية مطلقة، فضاعفت ميزانيّتها العسكرية وفتحت ملفّات عالقة لتصفية حسابات قديمة مع بعض الأنظمة «الآبقة» كأفغانستان والعراق وتطوير علاقات مع دول أخرى كانت في عداد الدول «الخطيرة» كباكستان مثلا. وفي الواقع، فإنّ مراجعة الولايات المتحدة لعلاقاتها وإعادة ترتيبها أفرزها ظهور مبدأ الحرب على الإرهاب وما صاحبه من بروز عوامل استقطاب جديدة (أخلاقيّة أو أخلاقويّة) عوّضت عوامل الاستقطاب السابقة والأسبق (المبادئ الكونية في النظام العالمي الجديد، والإيديولوجيا خلال الحرب الباردة). فطفا على السطح مفهوم «الخير والشر» ومنه تصنيف الدول التي تمثّل خطرا على مصالح الولايات المتحدة وأمنها إلى «محور الشر». وقد شرّع هذا التصنيف للولايات المتحدة تسويق مفهوم «الحرب الوقائيّة» التي تعني حقّها في توجيه ضربات استباقية لكلّ من يمثّل خطرا عليها دون الحاجة إلى إثبات هذا الخطر. فكان غزو العراق، بتعلّة امتلاكه أسلحة دمار شامل، والإطاحة بنظام صدّام حسين في 2003… وهو ما مثّل البداية الفعليّة لإعادة توزيع الأوراق ورسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.

أدّت ضربات 11 سبتمبر إلى تشويه صورة العرب والمسلمين في الغرب تشويها يراه البعض مُمنهَجا. إذ عملت بعض الأطراف على إلصاق صفات الإرهاب والكراهية والتعصّب والعنف بالعرب والمسلمين؛ وهو ما قاد، أو كاد، إلى صراع بين الحضارات والأديان عبّر عنه الرئيس بوش بصفة انفعالية ومتسرّعة في أحد التصاريح باعتزام بلاده الانخراط في حرب صليبية! كما أدّى اهتزاز صورة العرب والمسلمين لدى الغرب إلى تكبّد العديد من الدول العربية والإسلامية لخسائر اقتصادية هامة (كالدول التي يعتمد اقتصادها على السياحة). وكان من نتائج حصر العرب والمسلمين في زاوية الإرهاب وحشرهم المتعمّد في محور الشر تنامي دور الحركات اليمينية المتطرّفة في الغرب وتبنّي شرائح عديدة من الغربيين لأطروحاتها الإقصائيّة؛ واستغلّ حينها أرييل شارون الظرف لارتكاب جرائم فظيعة لقمع الانتفاضة الفلسطينية متخفّيا خلف شعار المرحلة ومدّعيا السير على خطى الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب!!

سقوط بغداد ونظام صدّام حسين في 2003

يمثّل دخول الجيوش الأمريكية لبغداد والسيطرة عليها نقطة مفصليّة حقيقية في التاريخ المعاصر للمنطقة. إذ مثّل سقوط العراق نقطة التلاقي بين البداية والنهاية! فكان محطّة النهاية الحتمية لكل الإرهاصات التي بيّناها آنفا (نهاية الحرب الباردة، أحداث حرب الخليج الثانية وخاصة ضربات العراق الصاروخية لإسرائيل، وأحداث 11 سبتمبر 2001)، كما كان في نفس الوقت نقطة البداية وأوّل سطر تخطّه الولايات المتحدة فعليّا في كتابتها الجديدة للواقع الجيوسياسي للمنطقة…عندما تهاوى تمثال صدام حسين في وسط العاصمة بغداد، فهم الكثيرون ذلك على أنه تجسيد رمزي لسقوط النظام البعثي الذي كان يحكم العراق وإيذانا ببداية مرحلة سياسية جديدة فيها أكثر ديمقراطية وحرية للشعب العراقي كما بشّر بذلك «الفاتحون”، في حين كان آخرون يغوصون أكثر في عمق الدلالات الرمزية لهذا السقوط ويرون فيه إعلانا مُقنَّعا عن سقوط حضارة عريقة ضاربة في التاريخ تتجاوز عظمتها وقوّتها شخص صدام حسين وأدبيات النظام الذي كان يتزعمه. وجاءت عمليات تخريب ونهب عديد المعالم الأثرية والحضارية التي عقبت سقوط العراق لتؤكد صحة هذه المخاوف.

وبغضّ النظر عن حيثيات وخلفيات سقوط العراق، التي يستدعي الخوض فيها مجالا أوسع، فإن انعكاساته كانت ولا تزال تمثّل معطى جوهريا لفهم المتغيّرات والأحداث التي تعرفها المنطقة:

كانت النتيجة المباشرة لسقوط العراق واحتلاله هي السيطرة على ثرواته والعمل على تقسيمه وإضعافه ومن ثمة تحجيم دوره في المنطقة؛ مما أدّى إلى توزيع جديد لموازين القوى وتنامي دور بعض الدول الأخرى لسد الفراغ الذي تركه العراق «كزعيم» للقوى الإقليمية المتداخلة، فكانت إيران المستفيدة الأبرز من هذا التوزيع الجيوسياسي الجديد. بل إن خلط الأوراق وإعادة توزيعها جعل بعض القوى القديمة (روسيا) والأقدم (تركيا) في المنطقة تطمح لاستعادة مكانتها في رقعة الأحداث للتموقع ولعب دور أهم في خضمّ هذه المتغيّرات. وقد كان التقسيم المُمنهَج للعراق وضرب وحدته محكوما بتوجه انفعالي لتكريس الطائفية وتشجيع النزعات العرقية، وجاء اختلال موازين القوى الإقليمي ليزيد من تنامي الصراع الطائفي ويمثّل الوقود الذي يؤجّج نيرانه ممّا أنتج حلقة مفرغة من العنف زادت في تعميق جراح العراق.

في غمرة هذه المتغيّرات ظهرت «ثورات الربيع العربي» كمعطى جديد في المنطقة مبشِّرة بتعميم الديمقراطية والحرية على شعوب تربّت على تعاقب الأنظمة الكليانية ولم تكن مؤهَّلة لاستيعاب تجارب ديمقراطية وُلدت قبل اكتمال نضجها! بل إن القراءة المتأنية لهذه التجارب تجعلنا بالضرورة نطرح أسئلة ملحّة عن ماهية هذه «الثورات» ودلالاتها: هل كانت فعلا ثورات شعبية جاءت لتقطع مع السائد المتردّي وتؤسّس لأنظمة حكم جديدة فيها مزيد من الحرية والعدالة والديمقراطية، أم إنها كانت مجرّد انتفاضات وقع استغلال ما حفّ بها من ظروف موضوعية لتحريكها وتوجيهها وفق مخطّط استراتيجي متكامل لإعادة توزيع الأوراق ورسم خارطة جيوسياسية جديدة للمنطقة خدمة وحماية لمصالح بعض الأطراف؟ إن طرح هذه التساؤلات ومحاولة إعادة تقييم تجارب «ثورات الربيع العربي» أملاه مآل هذه الثورات وتسارع نسق الأحداث فيها بشكل يكاد يكون متطابقا، مع بعض الاختلاف في الدرجات والتفاصيل، مما يوحي بوجود قوى خارجية تتحكّم في خيوط اللعبة وتوجّهها حسب أجندات مسبقة وتعمل على تأبيد تضارب المصالح بين كل الأطراف المتداخلة لتضمن مزيدا من السيطرة وهامشا أكبر للمناورات والتحالفات. ولعلّ حالة الارتباك التي طبعت علاقات بعض دول المنطقة وظهرت في تأرجح مواقفها بين التلاقي والاتفاق في بعض القضايا والاختلاف والتضارب في بعضها الآخر؛ لعلّ كل هذه التجاذبات تعيدنا إلى المربّع الأول: رجحان وجاهة الرأي القائل باندراج «ثورات الربيع العربي» وما تبعها من أحداث ضمن مخطط استراتيجي متكامل يهدف إلى إعادة تقسيم المنطقة وتكريس واقع جيوسياسي جديد.

الخاتمة

قد يبدو في مضمون المقال، وخاصة في عنوانه، «تعسّف» على مبادئ التأريخ وماهية الأنتروبولوجيا. لكنّنا ندرك تمام الإدراك أنّ كتابة التاريخ (وتحريكه) إنما هي نتاجٌ لتفاعل عدّة عوامل معقّدة ومتداخلة لعلّ من أبرزها فعل الإنسان (ككائن طبيعي واجتماعي وثقافي) في محيطه وما ينتجه من تطوّر ثقافي وعلمي وتكنولوجي. وبعيدا عن كلّ «تعسّف»، فإنّ في محتوى المقال وربط عناصره نوعا من استدراج الفكرة ثمّ مجاراتها في محاولة لإنتاج تمازج سلس بين السرد والإنشاء والتحليل. من ناحية أخرى، نعتبر أنّ استحضار وقائع تاريخية بعيدة يتجاوز مجرّد الاستشهاد بها لتجديد الدعوة للنظر والتحقيق فيها، بعيدا عن الإسقاط وإصدار أحكامٍ قِيميّة، لعلّها تُسهّل فهم واستيعاب بعض الأحداث المعاصرة.

إن القراءة المتأنيّة للأحداث المعاصرة التي تناولناها بالتفصيل تشي بوجود ترابط بينها وتكشف عن خضوعها لإيقاع (أو نسق) داخلي تُبنى عليه علاقة الأسباب بالمسبَّبات، علاقة لم نسع للنبش فيها بقدر ما حاولنا
نفض الغبار عنها لتسهيل فهم أبعاد ودلالات الحراك والمتغيّرات التي تشهدها منطقتنا، وخاصة لمحاولة استقراء واستيعاب ما قد ينتجه هذا الحراك من أحداث ووقائع في المستقبل القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد