للسّقوط، حسب معظم المعاجم، معان واستعمالات متعدّدة لعلّ من أكثرها شيوعا الهبوط والوقوع من الأعلى إلى الأسفل بالنّسبة للأجسام والأشياء، والهزيمة والتّراجع والاندثار بالنسبة للمُدن، والدُّول والحضارات.

ولئن لعبت أحداث طبَعها السقوط دورًا مهمًّا في الواقع الجيوسياسي الراهن لمنطقتنا وللعالم ككلّ، فإنّ السقوط لازَم مسيرة الإنسان منذ البدايات وكان محرّكا لبُعدَي التاريخ والجغرافيا منذ القِدم. أوَليس وجود الإنسان على الأرض وبداية الحياة مرتبطاً، رغم اختلاف التفاسير والتأويلات، بسقوطه (هبوطه) من الجنّة كعقاب له جرّاء عصيانه لأوامر خالقه وسقوطه (وقوعه) في الخطيئة؟ وهل يخفى دور سقوط «تفاحة نيوتن» في اكتشافه لنظريّة الجاذبيّة الكونيّة وما كان لها من تأثير على تطوّر كثير من العلوم وفهْم العديد من الظواهر الفلكيّة والفيزيائيّة؟ ولا يزال سقوط القنبلة الذّريّة على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالميّة الثانية يسيّل إلى يومنا هذا كثيرًا من الحبر ويمثّل مادة للجدل ولتحليل أبعاده وملابساته العسكريّة والأخلاقيّة. ولا زال الخبراء يتدارسون نتائجه وانعكاساته على التوازنات والسياسات والمعاملات بين الدّول والشعوب.

من ناحيته، عرف تاريخ الحضارة العربيّة والإسلاميّة محطّات موسومة بالسقوط طبعت سيرورته وأثّرت أثرًا واضحًا في ما آلت إليه الأحداث من توازنات ومُخرجات؛ أعرّج هنا على بعضها على سبيل الذّكر لا الحصر:

سقوط بغداد (الخلافة العباسيّة) بعد الغزو المغولي بقيادة هولاكو سنة 1258

لئن اختلف المؤرّخون في قراءة الأسباب المباشرة وغير المباشرة لهذا السقوط، فذهب بعضهم إلى تحميل الخليفة المستنصر بالله مسؤوليّة هذه الهزيمة نتيجة عدم كفاءته وسوء تصرّفه في إدارة شؤون الدولة، في حين ذهب آخرون إلى إبراز أهميّة الدور الخطير الذي لعبه الوزير ابن العلقمي وما قد يكون لهذا الدور من خلفيّات طائفيّة ضيّقة. وأشار شقّ آخر إلى أنّ خيانة بعض المسلمين وتحالفهم مع هولاكو قد تكون لعبت دورًا محدّدًا في الهزيمة. مهما يكن من أمر الأسباب، فإنّ نتائج هذا السقوط كانت وخيمة على المسلمين إذ اعتبرها بعض المؤرّخين نهاية العصر الذّهبي للدّولة الإسلاميّة وبداية التراجع والتقهقر لحضارتها نتيجة ما اقترفه المغول من قتل، وحرق، وإبادة لمعالم الثقافة ومكوِّناتها.

سقوط غرناطة (الأندلس)

أدّت الخلافات الداخليّة والانقسامات إلى تهاوي إمارات الأندلس الواحدة تلو الأخرى، وظلّت غرناطة صامدة لفترة أطول ممثِّلة القلعة الأخيرة والمدينة الرمز للنفوذ الإسلامي على الأندلس حتى سقطت بأيدي الإسبان سنة 1492 م بعد حصار مجحف دام لعدّة أشهر. ولئن مثّلت الحالة الداخليّة في الأندلس (انقسامات، انصراف للّهو وتهاون في حماية المكتسبات…) أبرز أسباب سقوط الدولة، فإنّ تخلّي باقي حكّام المسلمين عن المساعدة الفعليّة والفعّالة لإغاثة نظرائهم في الأندلس (نتيجة انشغالهم بخلافاتهم الداخليّة والإقليميّة) قد يكون سرّع في الهزيمة والسقوط. ومهما كانت الأسباب، فإنّ سقوط غرناطة مثّل منعرجًا في تاريخ الحضارة الإسلاميّة وانطواء صفحة من تواجد المسلمين في أوروبا دام لعدّة قرون، ولم يبق لهم من عزاء سوى بعض الأطلال وذكريات يستحضرونها كأنها بقايا حلم جميل، أو ربّما هي إلى بشاعة الكوابيس أقرب، ذكريات تمرّ عبر الفكر والوجدان كلّما تغنّى أحدنا «جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس».

إنّ في إشارتنا لهذه الأحداث دعوة لتجاوز التعاطي معها كمجرّد وقائع تاريخيّة قديمة بل النظر إليها كمحطّات لصراع حضاري متواصل، لا يحول اختلاف الزمان دون تحليلها كبعض الأحداث المعاصرة التي كان لها بالغ الأثر في ما تشهده منطقتنا والعالم اليوم من تطوّرات، وتحالفات، وتوازنات:

سقوط جدار برلين

ظلّ جدار برلين لمدّة ثلاثة عقود يمثّل رمزا للحرب الباردة بين المعسكرين الشّرقي (بقيادة الاتّحاد السوفيتي) والغربي (بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكية) وذلك منذ إنشائه سنة 1961 من قِبل ألمانيا الشرقيّة للحدّ من هجرة مواطنيها نحو الشطر الغربي. وفي الواقع، فإنّ خلفيّات بناء الجدار قد تبدو أشدّ تعقيدا من منع سكّان ألمانيا الشرقية من العبور إلى الجانب الغربي. فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بهزيمة ألمانيا النازية، وقع الاتّفاق على تقسيمها وإخضاعها لسيطرة الحلفاء المنتصرين. لكنّ الخلافات التي وقعت بين هذه الدول جعلت ألمانيا تُقسّم إلى جزأين: جزء شرقيّ متبنٍّ للإيديولوجيا الشيوعيّة، وجزء غربيّ يعتمد الرأسمالية كإيديولوجيا. فقسّمت بالتالي برلين إلى نصفين وصار كل نصف يمثّل عاصمة لإحدى الدولتين الوليدتين (أو الشقيقتين العدوّتين). وهكذا صارت برلين شاهدا حيّا على ميلاد نظام دولي تحكمه الحرب الباردة بين المعسكرين تلعب فيه الإيديولوجيا دور محور الاستقطاب في حين تمثّل فيه الأنشطة الاستخباراتيّة والجوسسة ميدان المعركة الحقيقيّ؛ وربما جاء جدار برلين ليعكس الحذر المتبادل بين المعسكرين وهاجس التَّوَقّي والحيطة الذي كان سائدًا بين الطرفين.

مساء 9 نوفمبر 1989، وبعد أن أذاع تلفزيون ألمانيا الغربية خبر اعتزام حكومة ألمانيا الشرقية السماح لمواطنيها بالعبور إلى الجزء الغربي من برلين وتسهيل شروط التنقل، هبّ آلاف من مواطني ألمانيا الشرقية إلى خطوط التماس بين نصفي المدينة ،حيث الجدار والحواجز الأمنيّة وأجهزة المراقبة، ليشرعوا في هدم الجدار بالمعاول في حركة رمزيّة ويتدفّقوا إلى الجزء الغربي من المدينة. لكن البداية الرسميّة لهدم الجدار كانت في شهر جوان 1990 واستمرّت لعدّة أشهر. ولئن كانت الدلالة المباشرة لسقوط جدار برلين هي إعادة توحيد شطري ألمانيا وضمان التنقّل الطبيعي بين نصفي برلين وتقريب عائلات لطالما وقع التفريق بينها بصفة مجحفة، فإنّ لهذا السقوط دلالات أعمق إذ مثّل بداية النهاية للكتلة الشرقيّة ومن ثمّة للحرب الباردة بين المعسكرين وإيذانا بإرساء نظام دولي جديد، نظام لم يعد للصراعات الإيديولوجيّة الدور الأكبر فيه بل أصبحت عوامل الاستقطاب حضاريّة وثقافيّة فطفت على السطح مفاهيم وقيم كونيّة جديدة (أو بالأحرى متجدّدة) كالحرّيّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان… سار هذا النظام الدولي الجديد على نسق متوازٍ ومتوائم مع تطوّر وسائل وتكنولوجيا الاتّصال لتسقط حواجز المسافات والحدود والجغرافيا ويصبح العالم قرية خاضعة لأحكام مفهوم “العولمة”. هذا هو الجانب المعلن للنظام العالمي الجديد!أمّا جوانبه المَخفيّة فهي ظهور نظام أحادي الاستقطاب تقوده وتوجّهه الولايات المتّحدة وفق مصالحها ومصالح حلفائها التّقليديّين. هذا التوجه أدّى إلى طغيان النموذج الثقافي الأمريكي خاصة في البلدان المنفصلة حديثا عن الكتلة الشرقيّة السابقة؛ ولعلّ مشاهد الطوابير الطويلة أمام محلّات بيع الأكلات السريعة الأمريكية، التي عقبت الانفتاح، خير شاهد على غلبة ثقافة الحلم الأمريكي.

من ناحية أخرى، مثّل النظام العالمي الجديد مظلّة مكّنت الولايات المتّحدة من بسط نفوذها السياسي والعسكري وخاصة الاقتصادي على العالم فأوجدت لنفسها أسواقا جديدة وألحقت بفَلَكِها حلفاء، أو بالأحرى أتباعا، جددا لأنّ ماهية النظام العالمي الجديد لا تقوم على التعاون والشراكة المتكافئة بقدر ما هي مبنيّة على التبعيّة رغم ما تتلحّف به أبجدياتها من بهرج القيم الكونيّة الرنانة. كما كان إرساء النظام العالمي الجديد بوّابة لإعادة رسم الواقع الجيوسياسي في العالم بصفة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص؛ ولعلّ إعادة النظر في طبيعة التوازنات والعلاقات التي أنتجها النظام العالمي الجديد تمكّننا من فهم بعض الأحداث التي شهدتها المنطقة لاحقا!

سقوط صواريخ عراقيّة على إسرائيل

يعتبر هذا الحدث بالغ الأهميّة في التاريخ المعاصر إذ مثّل نقلة نوعيّة في طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره أوّل استهداف مكثّف بأسلحة بالستيّة للعمق الإسرائيلي من قبل دولة عربيّة وأوّل محاولة لتصدير الصراع إلى داخل إسرائيل. وإن اختلف الملاحظون في تقييم دلالات ونتائج هذا الحدث، فإنّه يظل محطّة هامة جديرة بالتوقف عندها واستقراء كلّ أبعادها.

لعلّ الهجوم الكوني على العراق ومحاولة ضرب قوّته العسكريّة المتنامية، إبّان حرب الخليج الثانية من خلال ما عرف بعاصفة الصحراء، يندرج (كما أسلفنا) ضمن مخطّط شامل لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسيّة للمنطقة في تصوّر متطابق مع الخطوط العريضة للنظام العالمي الجديد؛ وقد يكون النظام العراقي وفّر للولايات المتحدة وحلفائها الغطاء الشرعي لهذا الهجوم بارتكابه خطأ اجتياح الكويت القاتل! وجد العراق نفسه في موقف صعب للغاية باعتباره مستهدفا من قبل تحالف كوني يضمّ عدّة دول عربيّة وكان يدرك أنّ الظرف لا يسمح بالتعويل على دعم حلفائه السابقين من الكتلة الشرقيّة المتهاوية فحاول لعب ورقة استقطاب وتعبئة الشارع العربي في محاولة لتفكيك التحالف وتحييد بعض الدول العربية تحت ضغط شعوبها… فكانت الهجمات الصاروخيّة على إسرائيل. وبغضّ النظر عن بعض التفاصيل العسكريّة التي ظلت محلّ خلاف (عدد الصواريخ المصوَّبة، نوع الصواريخ ومصدرها، أهداف ونتائج الضربات…) فإنّ دلالات هذه الهجمات وانعكاساتها كثيرة ومتنوّعة:

لئن نجحت الضربات في تحقيق استقطاب الشعب العربي في عدّة دول ونيل تعاطفه ومساندته لصدّام حسين، فإنّها لم تنجح في استدراج إسرائيل لردّ الفعل المباشر والانضمام العلني للتحالف، وأقنعت الولايات المتحدة إسرائيل بتوخي «سياسة ضبط النفس». ممّا قد يفهم على أنّه التزام ضمني من الولايات المتحدة بضمان حقّ إسرائيل في الردّ في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. ولعلّ ما يحدث الآن في المنطقة من مراجعة للتوازنات تصبّ في مصلحة إسرائيل وترجيح كفّتها هو مرادف لهذا الردّ المناسب في الوقت المناسب!

أدّى سقوط الصواريخ العراقيّة إلى اهتزاز وزعزعة شعار «الحدود الآمنة» التي تُعدّ من ركائز نظريّة الأمن الإسرائيلي وكشف عن وجود ثغرات وهنات في منظومة المراقبة والدفاع ممّا تسبّب في حالة من الهلع والاضطرابات النفسيّة للمستوطنين دفعتهم إلى الهروب نحو بعض المدن الأخرى وحتّى خارج إسرائيل وجعلت بعض اليهود الذين كانوا يفكّرون في الهجرة إلى إسرائيل والاستيطان بها يراجعون هذا القرار ويلغونه أو يؤخّرونه إلى أجل غير مسمّى. كما جاءت إصابة إسرائيل بالصواريخ العراقيّة لتكشف «نفاد صلاحية» العقيدة العسكريّة الميدانيّة الإسرائيلية، عقيدة هجوميّة بالأساس ترتكز على الضربات الاستباقيّة وتصدير الصراع خارج أراضيها وتتذرّع بامتلاك قوّة ردع فعّالة تجعلها في مأمن من تلقي ضربات من هذا القبيل. غير أنّ إسرائيل حاولت استثمار الوضع وتعلّلت بوجودها تحت التهديد المتواصل نظرا لامتلاك دول عربية وإسلامية أخرى في المنطقة لأسلحة باليستيّة وطالبت بالتالي بحقّها في تنفيذ ضربات استباقيّة لمنع هذا التهديد. لكنّ تمشي النظام العالمي الجديد واستراتيجياته لم يكن متوائما مع هذه الرغبة الجامحة لإسرائيل. ومرّة أخرى نقول لعلّ ما يحدث الآن في المنطقة من متغيّرات وتوازنات جديدة فيه طمأنة لإسرائيل و«مكافأة» لها على التزامها بتوجّهات ومخطّطات النظام العالمي الجديد!

مثّلت الضربات الصاروخيّة العراقية فرصة حقيقية للولايات المتّحدة لتجربة وتقييم بعض أنظمتها الدفاعية ميدانيّا وفعليّا، فزوّدت إسرائيل بنظام الصواريخ المضاد للصواريخ «باترويت» ممّا مكّنها من الوقوف على بعض نقائصه ونقاط ضعفه والعمل لاحقا على تفاديها لتطوير هذا النظام. كما قد تكون حالة الارتباك والخوف من ضربات عراقية مماثلة لدى بعض دول المنطقة قد دفعت هذه الدول إلى التوجه نحو مزيد من التسلّح والحيطة ممّا مكّن الولايات المتحدة من إيجاد أسواق لبيع أسلحتها بتعلّة مراعاة مبدأ المحافظة على توازن مزعوم تُراعى فيه مصالح إسرائيل أوّلا.

مهما يكن من أمر، فإن سقوط الصواريخ العراقية على إسرائيل اعتبرته هذه الأخيرة تخطّيا لكلّ الخطوط الحمراء وغلطة لا تُغتفر ومثّل نقطة اللاعودة مع النظام العراقي وقائده صدام حسين. فعملت جاهدة على حثّ الولايات المتحدة على إزاحته والإطاحة به. ورغم كلّ المحاولات التي بذلها نظام صدام حسين، خلال سنوات الحصار الطويلة، لفكّ عزلته وكسب مساندة بعض الدول فإن نهاية الصراع كانت بسقوط نظامه سنة 2003.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد