هل سبق وأن لا حظت أنك تُبغض شخصًا ما، دون أن تعرف عنه الكثير من التفاصيل التي تدفعك لكرهه؟ هل شعرت يومًا أن أحدًا يحكم عليك بنوع من الإجحاف والفكرة المسبقة واللاموضوعية؟  هل واجهت مثل هذا الانحياز ضدك في عملك، بسبب جنسك، أو لون بشرتك، أو أي من الصفات الظاهرة فيك؟ إلى أي مدى نحن منحازون، وغير موضوعيين في الحكم على الأمور من حولنا؟

لا شك أننا جميعًا سندعي أننا موضوعيون، وميالون إلى الحكم بمصداقية، وأننا بعيدون كل البعد عن الانحياز، لكنّ الحقيقة تقول أننا فعليًا، وفي حياتنا اليومية، غير ذلك تمامًا!

لقد سعى المنهج العلمي إلى الاقتراب من المصداقية في معالجته لكثير من الأمور والعمل قدر الإمكان للابتعاد عن الانحياز بكافة أنواعه، ومن هنا ظهرت تقسيماتٌ عديدةٌ للانحياز وأشكال مختلفة عرفتها الطرق العلمية والبحثية، لكن أحد أهم هذه الأنواع هو الانحياز غير الواعي، والذي يمارسه البشر يوميًا في تصرفاتهم، وتكمن أهمية هذا النوع في أننا نمارسه بطريقة لا يدركها وعينا ألبتة.

عن الانحياز اللاواعي Unconscious Bias

يُعرّف الانحياز اللاواعي بأنه مجموعة الأنماط والمواقف والأفكار التي تخزنها أدمغتنا وتؤثر بطريقة لا واعية على تصرفاتنا، وحكمنا على الأشخاص وقراراتنا اليومية. ويعرف كذلك بمصطلح implicit bias أو implicit prejudice. هذه الأنماط التي قد تكون الديانة التي يعتنقها الشخص، لون البشرة، الجنس، البُنية الجسدية، وحتى أمورًا صغيرة مختلفة من شخصٍ لآخر، لكنها تعني نمطًا ذا معنى ستعمل أدمغتنا عند الحكم عليها بطريقة انحيازية بعيدة كل البعد عن المصداقية عندما تواجه شخصًا أو حتى فكرة بنفس النمط!

تجدرُ الإشارة إلى أن هذا الانحياز موجود لدى جميع الثقافات والشعوب فهو مرتبط بشكل وثيق بالطريقة التي تعمل بها أدمغتنا. كما يجب الانتباه أنه مختلف تمامًا عن التمييز العنصري الذي يتم بمحض وعي وإدراك الشخص ضد نمط ما وهو الذي يُعرف بexplicit bias، ولا يتسع المقال هنا للحديث عن هذا النوع، بالرغم من خطورته ومعاناة البشرية منه، والتي لا تخفى على أحد.

لكنّ الحديث هنا عن تحيّز موجود ومتفشٍ إن صحّ التعبير في أماكن العمل، غرف التدريس، الإعلام وغيرها من الأماكن.

أثره السلبي.. ولماذا علينا أن نلفت النظر له؟

بحسب معلومات نشرتها إدارة موقع «فيسبوك»، فإن الشركات التي تتمتع بتنوع لدى موظفيها وخلفياتهم وخصائصهم تُعتبر أكثر نجاحًا وإنتاجيةً على أصعدة مختلفة من تلك التي تفتقر لهذا التنوع نتيجة شيوع أنماطٍ متشابهة لديها، وأنها –بالرغم من اعتقادها بأنها الأجدر- إلا أن البحوث أثبتت أنها تتمتع بالإنتاجية الأقل! وهي كذلك لأنها لا تعترف بالانحياز اللاواعي؛ وبالتالي لا تعمل شيئًا لتفاديه. إن هذا النوع من الانحياز هو المسؤول من حيث لا ندري عن الكثير من الأخطاء، والتي تتعدى أمورنا الشخصية لتشمل جوانب ذات أهمية في مسار عمل الشركات مثلًا عند اختيارها لموظفيها، أو عند تقييم المدراء لهم، فالتحيز الذي يدفع مديرًا ما لتقييم موظف بناءً على انتمائه لنمط ما يكرهه بطريقة لا واعية، والذي قد يكون نمطًا لا يتعلق بمهنية الموظف أو أدائه سيتسبب حتمًا في خسارة كبيرة للشركة، فضلًا عن تراجعٍ في أدائها؛ لأن الانحياز اللاواعي ذاته سيجلب أشخاصًا ذوي أنماطٍ متشابهة، وهو ما سيقلل من التنوع داخل المؤسسة وبالتالي ستنخفض إنتاجيتها.

الأمر لا يقتصر فقط على سير العمل، فهو كذلك في تقديم الخدمات الصحية للزبائن، فكون الطبيب، أو المهني العامل لديه انحياز ضد النمط الذي عليه المريض أو طالب الخدمة فإنه بصورة لا واعية سيقدّم خدمة بجودة أقل، أو أن التواصل والشعور بمعاناته وشكواه لن يكون بالمستوى المطلوب مما لو كان النمط من ذاك الذي ينحاز له.

إن أول طريقة لمعالجة الانحياز اللاواعي هو الاعتراف بوجوده، عندها سنعرف ما الذي  بإمكاننا أن نفعله لنكون أكثر حيادية ومصداقية في الأمور التي تتطلب ذلك.

كيف تعملُ أدمغتنا؟ وما هو التفسير العلمي؟

على مدى العقود الثلاثة الماضية – و لحُسن الحظ- فقد أُجريت العديد من البحوث حول الانحياز اللاواعي، وتم  الكشف عن الأساس العلمي البيولوجي له، كما تم تصميم أداة لقياسه، وهو عبارة عن اختبار لقياس نسبة انحيازك مع أو ضد نمط معين «بُنية الشخص سمين أو نحيف، جنس الشخص، ديانته… إلخ». يُعرف الاختبار اختصارًا Implicit Association Test  (ITA)، حيث يُعطيك الاختبار نتيجة تقيس إلى أي مدى أنت تربط أحكامك «جيد، سيئ»، بناءً على نمط معين. يمكنك عمل الاختبار من خلال هذا الرابط

إن أدمغتنا مصممة لتتعامل مع الملايين من المعلومات المختلفة في الثانية الواحدة؛ لذا فهي تلجأ إلى خلق أنماطٍ ومجموعات بناء على الثقافة التي ينتمي لها الشخص، خلفيته، جنسه، عرقه أو ديانته وتجارب سابقة من خلالها يسهل عليها التعامل مع هذا الكم المهول في أجزاء من الثانية، فسرعان ما يتم اللجوء للاوعي  وبصورة «أوتوماتيكية» باتخاذ حكم بناءً على هذه الأنماط، فهو يصنف الأمور والأشخاص تبعًا لها دون التفكير مليًا بأن الصورة التي ارتبطت لديه بنمط ما قد تكون خاطئة تمامًا، وحتى إن كانت غير ذلك فربما رغم تشارك الشخص مع كل هذه الأنماط إلا أنه ليس بالضرورة أن يتم الحكم عليه بنفس الأحكام السابقة.

في تجربة شهيرة عن الانحياز الضمني في سبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي كانت تهدف لتبيان ما إن كان الجنس الذكوري أفضل حقًا في الأداء والعزف على الآلات الموسيقية في فرق الأوركسترا من الإناث، حيث كانت الإناث تُمثّلن ما نسبته أقل من 5% في عضوية مثل هذه الفرق الموسيقية و المشاركة فيها، فقرر الفريق الباحث أن يتم الحكم على أداء الفرد، دون أن تعرف لجنة التحكيم جنس المؤدي، حتى إنه قد طُلب من المشاركين جميعًا، وقبل الدخول إلى القاعة للأداء خلع أحذيتهم، وذلك حتى لا تكون أصوات طقطقة الكعب العالي التي تصدرها النساء سببًا في الكشف عن جنسهن، وبالتالي استبعادهن مباشرة!

وقد كانت النتيجة مؤشر فظيع على كمية التحيز غير المدرك ضد الإناث ولصالح الذكور، فقد ازدادت نسبة اجتياز الإناث للمرحلة الأولى بـ 50%، كما ازدادت نسبة قبولهن بناءً على أدائهن ضمن الفرقة بثلاثة أضعاف! تخبرنا هذه التجربة كيف أن الجنس لعب في الماضي، ولا يزال دورًا هامًا في الحكم على قدرات الشخص وقبوله أو استبعاده، دون الاستناد إلى أسباب منطقية ذات علاقة.

 الأمر كذلك يتعلق بموضوعات تخص الفكر أو حتى قضايا الرأي العام

والأمثلة لا حصر لها هنا، فقضية ربط الإرهاب بالمسلمين والإسلام ومعاداتهم أصبحت – من وجهة نظري- مثالًا صارخًا على أن المعظم يتخذ أحكامًا بناءً على أنماطٍ تفرضها عليه الحكومات أو وسائل الإعلام، دون أن يمعن النظر، ويفصل هذه الأنماط عن الأفكار التي تمثلها. فليس لأنّ جماعة متطرفة اتخذت من فهمها لبعض النصوص الدينية منطلقًا لممارساتٍ إرهابية تصبح هناك علاقة حتمية بين الدين الذي تنتمي له هذه الجماعة وبين الإرهاب، فالتّطرف وعبر التاريخ صفة أحسب منبعها «سيكولوجي» بالأساس، وهي غير مرتبطة بدين معين.

كذلك كان واضحًا انقسام الجمهور الفلسطيني، وكل مهتم بما كان يحدث في غزة في حرب 2014، فكثيرٌ من أولئك الذين تبنوا آراءً تعارض سياسة المواجهة والعنف التي تبنتها حماس في غزة كانوا دومًا ما يسوقون مبرراتٍ لمعارضتهم مرتبطة بكرههم وتحيزهم غير الواعي ضد النمط الاجتماعي الذي تمثله الحركة وضد تشددها أو ضد الفساد في إدارتها للقطاع، وهو الأمر الذي يُفترض ألا يدخل البتة في الحكم على رأيك بـ«أيديولوجيا» العنف كطريق للتحرير، فهو مجرد خلط بين النمط والمفهوم «الفكرة».

الحجاب أيضًا من الأمور التي يُحكم عليها بصورة متحيزة لا واعية ويتم ربطها بنمط إرهابي أو إسلامي رجعي، ويتبنى الكثيرون وجهة نظرٍ قاسية ضد الحجاب والمحجبات أو المنتقبات – ولست هنا في معرض الحديث عن رأيي في الحجاب والنقاب والجدل القائم حوله – لكنّ الحكم على الأنثى بناءً على قطعة القُماش هذه بالالتزام أو خلافه أو الرجعية أو التحضر لهو ربطٌ غير منطقي ناشئ عن نمط ما تم تخزينه في أدمغتنا.

التوتر النفسي وعدم الاستقرار يزيدان من التحيز الضمني

من خلال الدراسات تبين أن العمل في بيئة مليئة بالضغط والتوتر تقلل من القدرة على التحكم بطريقة واعية، وهي بيئة خصبة للأحكام المتحيزة الغير موضوعية، فالشخص الواقع تحت تأثير ضغط ما أو في لحظات غير مستقرة عاطفيًا و نفسيًا يكون معرضًا لمزيد من التحيز الضمني والأحكام المتحيزة تجاه الأشخاص والأمور، فاللاوعي هنا يجد طريقًا خصبة للعمل بصورة ستبدو للشخص أكثر سرعة بل ربما سيكون مقتنعًا أنها أكثر موضوعية، فالأشخاص بطبعهم يكرهون أن يكونوا عُرضةً للملامة والاتهام بالابتعاد عن الموضوعية.

كيف نتحكم به إن كان يحدث بطريقة لا واعية؟!

لا يمكن أن نتخلص من التحيز الضمني بصورة نهائية- دائمًا ما تكون الحالة المثالية ممكنة نظريًا فقط- في الواقع لا يمكن للشخص التغاضي عن انحيازه اللاواعي تجاه جماعة ما، لكنه ولحسن الحظ يمكنه أن يمنع القرارات الخاطئة، أو المجحفة تجاه أحدهم إن فكر بالأمر بصورة واعية.

إن الآليات mechanisms التي تجعلنا واعين تجاهانحيازنا وقادرين على التحكم بأنفسنا تَشغَلُ الجزء ذاته في الدماغ المسؤول عن التحكم بأفعالنا اليومية  والاجتماعية بصورة واعية وهي لحسن الحظ كذلك تعمل بسرعة تقارب 100 ملي ثانية،  فبمجرد مواجهة الشخص لنمط ينحاز معه أو ضده – وهو واعٍ ومطلع على هذا النوع من الانحياز- سينقل الحكم إلى الجزء القبل الأمامي الداخلي من الدماغ Medial pre-frontal lobe وهذا يجعل الشخص أكثر تحكمًا بتصرفاته وأحكامه، كما يجعله أكثر نضجًا.

تشمل هذه الآليات التي ستحفّز الشخص لتجنب مثل هذا النوع من التحيز: تقييم مُجحف لموظف، أو رفض طلب وظيفة لأسباب غير مهنية مثلًا الآتي:

  1. رغبة الشخص في ألا يظهر متحيزًا وبعيدًا عن الحكمة والموضوعية، والذي قد يؤذي سمعته في بيئة العمل، ويُعد هذا تحفيزًا خارجيًا بمعنى أن مفعوله سينتهي بمجرد انتهاء البيئة التي يرتبط بها. بل ولُوحظ من خلال بعض الدراسات أن الحديث لهذا النوع من الأشخاص مباشرة بأن عليهم أن يبتعدوا عن الانحياز الضمني في أحكامهم سيولد لديهم إما تصرفات تجنبيه avoidance behaviors للفئة التي يملكون تجاهها تحيز وهذا سيزيد من مستوى التصرفات الانفعالية والتي ستظهر بصورة غير واضحة كتجنب الحديث مع التواصل بالعين، أو حتى الجلوس بعيدًا عنهم وقضاء وقت أقل معهم – مهنيًا- مقارنة مع غيرهم من زملائهم
  2. قيم مُجتمعية أو أخلاقية كالمساواة والعدل، وهذه يمكن اعتبارها إن تم ترسيخها بنجاح أكثر نجاعة؛ إذ إنها تعد تحفيزًا داخليًا من الشخص نفسه، والأسلوب الأمثل للتقليل من التحيز الضمني هي بالتأثير على الشخص من هذا المدخل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التحيز
عرض التعليقات
تحميل المزيد