أسالت سياسة الانفتاح الاقتصادي في فترة السبعينات، لعاب وشهية رجال الأعمال والمستوردين، وأصبح السوق المصري خلال سنوات قليلة أعقبت حرب أكتوبر 1973 في غيبة كاملة من الدولة ومؤسساتها، «سداحًا مداحًا» (وفق مقولة أطلقها أحد المفكرين وقتها). انطلق هؤلاء على غير هوادة لاستيراد كل ما هو سيئ من قمامة العالم أجمع، في سابقة تاريخية لم تتكرر أن تجد شعب يرتدي ملابس مستوردة من مخلفات الشعوب الأخرى «البالة»، ومن عجب أن قسمًا كبيرًا من الشعب وقتها، كان يُقبل على شراء هذه الملبوسات بسعادة، ربما لرخص ثمنها أو لجودة الصنعة. وكل كان يعي أنه يرتدي مما ألقاه الغير في سلال القمامة.

يبدو أن فقه «البالة» قد أتى أثره بعد سنوات، إذ توسع المستوردون واتجهوا إلى مجالات أخرى، لاستيراد قطع غيار مستعملة لكافة الأجهزة الكهربية، ونهاية بالسيارات والمحركات وغيرها.

قطع الغيار «الاستيراد» هي أجزاء مستعملة ومستهلكة، لكن وفق معايير جودة ومعدلات استهلاك لا تتوافر لدينا إلّا على الورق، يلتزم بها المواطن الغربي، ويُجبر عليها المصنّعون، فُيضطر هذا وذاك بعد فترة للتخلي عن المُعدّة أو السيارة والتخلص منها، احترامًا للعميل المستهلك وخشية من بأس القانون وسيفه الصارم. على أن التشريعات الغربية، إنما وُجدت لتحمي صحة ووجود أبناء تلك البلدان، ولا تُسبغ حمايتها على سكان البلدان النامية الذين أوجدهم حظهم البائس للعيش في دول أو أشباه دول، لا يمثل المواطن الفرد أي قيمة بها، تُلقى هذه المخلفات في القمامة وهنا يكون بانتظارها السادة المستوردون يتلقفونها كحل مريح للطرفين، إذ تتخلص هذه البلدان منها، ويجد فيها المستوردون فرصة للربح العالي السهل بتمريرها لمواطنيهم، يأتون بها لمصر، ومن عجب أن جمهور المستهلكين يحتفون بها ويُقبلون على شرائها كثيرًا، ويجدون فيها بديلًا جيدًا وأكثر كفاءة من قطع الغيار الجديدة.

تشاهد الدولة ما يحدث وهي تعي أن قطع الغيار المستعملة، مستهلكة في الأساس ومكانها الطبيعي سلة المهملات، أو إعادة تدويرها صناعيّا، وتدرك أن تسريبها لأيدي التجار، يعني بيعها لجمهور من المستهلكين ساقهم حظهم العاثر وفقرهم لشرائها، وأن إعادة استخدامها يشكّل خطورة على حياة الفرد أو المجتمع بكامله، رسميّا الدولة بأجهزتها وقضّها وقضيضها، تعلم جيدًا وتغض الطرف (نستعير التعبير المسرحي الشائع «وأنا عاملة نفسي نايمة»).

ثقافة «استيراد» قطاع الغيار المستعملة تأتي تعبيرًا عن ضيق ذات اليد أحيانًا، وتدجين من المستثمرين والمستوردين للشعب المصري، وتأهيله لمعاقرة كل ما هو مستعمل بالخارج، فكرة لا تخرج عن العيش في القمامة والتعايش معها.

والآن تجد في مصر ظاهرتين محيرتين، حدثتا في الآونة الأخيرة:

  • تدني الحال وسوء الأحوال وتفشي الفقر بمستوياته بين الجميع، تعايش المصريين مع نظام الاستيراد للمستعمل من الخارج.
  • ثم تواضع قطاع كبير من الناس، وإقبالهم على التعاطي مع قمامة واردة من الخارج بنظام الاستيراد أو «البالة»، وتناول أطعمة كانوا يأنفون منها قبل زمن قصير كأرجل الدجاج، وأمعائها.

الفقر سواء أكان عرضًا أو مرضًا، أصبح يفرض وجوده ونسقه الثقافي على الفقراء بمصر، يخشاه أبناء الطبقة الوسطى، يتعايشون معه تحايلًا أو استسلامًا، وفي كل الأحوال فإن الجميع يقع ضحية للتواطؤ والأفّاقين على السواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

استيراد
عرض التعليقات
تحميل المزيد