مقدمة

تعرف فرنسا نفسها على أنها حامية حقوق الإنسان والديمقراطية بأفريقيا، وتعتبر أن مستعمراتها القديمة هي بمثابة الحديقة الخلفية لها، وأن كل ما يحدث بهذه الدول يجب أن يمر عبرها، وبالتالي التحكم فيه وتوجيهه الوجهة التي تخدمها وتخدم مصالحها أو على الأقل لا يتعارض مع مصالحها والتي توصف بأنها حيوية في القارة الأفريقية.

ما ينطبق على الدول الأفريقية الأخرى فهو حتمًا ينطبق على الجزائر من وجهة النظر الفرنسية، بل إن الجزائر تعتبر بالمنظور الفرنسي الجنة المفقودة لفرنسا ويجب أن تسترد يومًا.

وبمناسبة الانتخابات الرئاسية، والتي من المقرر أن تجرى بالجزائر في الثامن عشر من الشهر القادم أبريل، عمت المظاهرات الرافضة لعهدة جديدة لبوتفليقة، وفي العادة فإن فرنسا لا تفوت أي حدث بالجزائر إلا وعلقت عليه، ولكن هذه المرة كل الملاحظين يلمسون هذا الصمت المطبق لدى حكام فرنسا.

ففي مواجهة المظاهرات التي تتزايد يومًا بعد يوم بالجزائر، تغرق فرنسا في صمت مطبق، فهل يعود الأمر إلى أن السلوك الفرنسي الذي يتدخل في كل كبيرة وصغيرة بالقارة الأفريقية تغير اليوم وأصبح أكثر عقلانية يراعي مبدأ السيادة لدول كان يعتبرها تابعة له؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حسابات عقلانية تبحث عن مصالح فرنسا قبل أي شيء؟

فرضيات الصمت الفرنسي

من وجهة نظر المحلل الصحفي إتيان لينهارت (Étienne Leenhardt) فإن «كل الأرض الجزائرية ملغمة بقنابل قابلة للانفجار في وجه فرنسا، فأي بيان للسلطات الفرنسية يعتبر كسائل سريع الالتهاب يمكن أن يزيد اشتعال الأمور وتفاقمها»، ويصف الصحفي إتيان أن هذا الصمت يعكس فعلًا قلقًا فرنسيًا متزايدًا لأنه في حالة حدوث أزمة خطيرة بالجزائر فإن تداعياتها ستصل فرنسا حتمًا.

ويتابع الصحفي إتيان «أنه في العام الماضي منحت فرنسا أزيد من 400 ألف تأشيرة قصيرة الأجل لدخول أراضيها لصالح الجزائريين، وعليه فإن الخطر داهم على فرنسا إذا تفاقمت الأمور ووصلت إلى حد الفوضى الأمنية وتدهور الوضع، فعندها سيعرف طلب التأشيرة للدخول إلى الأراضي الفرنسية تزايدًا رهيبًا».

ويُجمع الكثير من الملاحظين والمتابعين للشأن الجزائري أن الصمت الفرنسي له مبرراته ودوافعه التكتيكية والاستراتيجية، والتي تدخل ضمن حسابات صانع القرار الفرنسي، وتتلخص هذه الدوافع فالآتي:

  1. الجزائر تتعاون مع فرنسا في إطار مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، فالتعاون الجزائري مهم جدًا بالنسبة لفرنسا وعلى درجة عالية من الضرورة، ولكن هذا تفسير غير سوي، فأي رئيس آخر للجزائر مع فريقه سيتعاون مع الطرف الفرنسي في هذا الشأن، فالقضية هنا قضية دولية والاتفاقات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب تلزم الدول بالتعاون في هذا الشأن، فهذا تفسير غير واقعي.
  2. البعض من الصحفيين الفرنسيين يقدمون تفسيرًا يقوم على أساس وان البعد التاريخي كان دائمًا يطغى على أي نقاش جزائري وفرنسي ويطغى على أي حديث للفرنسيين عن الجزائر، إلا أن الرئيس ماكرون لا يحمل أثقال التاريخ معه ولا صدامات الماضي، لأنه ولد بعد استقلال الجزائر، وهذا ما يدفع بالطرف الفرنسي إلى الصمت حيال ما يجري بالجزائر، أي أن الرئيس الفرنسي يتعامل مع الجزائر كدولة لها سيادتها ولا يجب التدخل في شؤونها الداخلية، لكن هذا التفسير، يعطي الانطباع وكأن الرئيس الفرنسي ماكرون هو صاحب القرار الوحيد داخل السلطة الفرنسية، وهذا خطأ ففرنسا كدولة عريقة هي دولة مؤسسات، وعليه فكذلك هذا التفسير غير جدي تمامًا.
  3. السلطات الفرنسية تخشى من تفاقم الأوضاع بالجزائر، وبالتالي فهي تخشى من أي تصريح يمكن أن يفهم على أنه تأجيج للأوضاع وتدخل غير مبرر من طرف فرنسا، وهي تعرف مدى حساسية التدخل في الشأن الداخلي الجزائري بالنسبة للسلطات الجزائرية، هذه فرضية تقترب من واقع العلاقات الجزائرية الفرنسية، دون نسيان الإشارة إلى أن فرنسا لها حساسية من التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية، فقد رأينا كيف تصرفت حيال التعليقات الإيطالية على احتجاجات السترات الصفراء.
  4. من جهة أخرى فإن السلطات الفرنسية تخشى من أن أي تصريح من طرفها قد يؤجج الأوضاع ويساعد على انفلات أمني بالجزائر يجعل من فرنسا المأوى الوحيد للجزائريين، خاصة إذا عرفنا وأن ما يقرب من 5 ملايين جزائري يعيشون بفرنسا ويحملون الجنسية المزدوجة، مما يعني أن أي انزلاق أمني سيجبر ملايين من الجزائريين على الالتحاق بذويهم بفرنسا، الأمر الذي يعرّض الأمن القومي الفرنسي للخطر.
  5. تلعب الجزائر دورًا بارزًا في حماية فرنسا والأوروبيين من خطر الهجرة غير الشرعية، فمع تأزم الأوضاع الأمنية بكل من ليبيا ومالي وفقدان السيطرة على الحدود والمياه الإقليمية لهاتين الدولتين، فإن فرنسا ستتعرض لجحافل من المهاجرين غير الشرعيين إذا تعرضت الجزائر هي الأخرى لانفلات أمنى غير مسيطر عليه.
  6. يعزو كذلك بعض المراقبين الصمت الفرنسي إلى دافع اقتصادي استراتيجي يتمثل في اعتماد فرنسا لاحتياجاتها الطاقوية على 10% من الغاز الجزائري، وأي تأزم للأوضاع سيعرض فرنسا لخطر نقص للغاز، والحقيقة أن هذا التفسير يشوبه الكثير من الفضفاضة وعدم الإلمام بمسائل الطاقة، فأي حكومة قادمة لن تكون قادرة على رفض بيع الغاز لفرنسا، فالمسالة متعلقة أولا باتفاقيات لا يمكن التنصل منها، ومتعلقة بقطاع الطاقة الجد حيوي بالنسبة للدول الغربية والتي لا تتسامح مع أي تهديد لتزودها بالطاقة، فإعلان روما لحلف الناتو قد أقر وباتفاق جميع أعضائه على أن أي تهديد لمناطق الطاقة يتدخل الناتو مباشرة في المنطقة لاسترجاع الاستقرار في تلك المناطق وتأمين تزويد الدول الأعضاء بالطاقة.

إن كل الذي قيل عن إحجام فرنسا على الإدلاء بأي تصريح بخصوص ما يجري بالجزائر هو من قبيل الحديث المرسل الذي لا سند له واقعيًا، والمتبع للصحافة الفرنسية ووسائل إعلامها بصفة عامة يدرك أن فرنسا مهووسة بما يجري بالجزائر.

فرنسا وعقدة الأبوية

يلخص أحد الدبلوماسيين الفرنسيين الصمت الفرنسي إزاء ما يحدث بالجزائر والذي أوردته صحيفة لوفيغارو على أنه «لا تدخل ولا لامبالاة، فمجال تعبيرنا عما يحدث ضيق»، ولعل هذا التصريح يفسر الحذر الشديد في التعامل مع أحداث الجزائر.

فقد ورد في صحيفة لوفيغارو ما مفاده أن «فرنسا ماكرون تتابع تطورات ما يجري في الجزائر بحذر شديد» وقد عبرت هذه الصحيفة عن هذا الحذر بكلمة ملاقيط (Pincettes)، فهل هذا يعني أن الصمت الحكومي الفرنسي لما يجري بالجزائر يدل على الشعور بالإحراج، والذي يفسر ليس بعدم قدرة فرنسا على الادلاء بتصريح بقدر ما يفسر بإحراجها أن موقعها كوصية على مستعمراتها القديمة يقع هذه المرة بين ممارستها الأبوية مع هذه الدول، وبين التزامها الصمت وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وحتى لا تتهم بالكيل بمكيالين فقد عانت من هذا التدخل عندما أدلت الحكومة الإيطالية بتصريحات اعتبرت أنها تدخل في الشؤون الداخلية الفرنسية.

فقد استاءت فرنسا من الحكومة الإيطالية لدرجة أنها استدعت سفيرها بإيطاليا للتشاور كما ذكر بيان وزارة الخارجية الفرنسية، وكل هذا بسبب أن نائب رئيس وزراء إيطاليا لويجي دي مايو التقى بمحتجين من السترات الصفراء الذين يتظاهرون ضد الرئيس الفرنس الحالي ماكرون، وكتب لويجي على صفحات التواصل الاجتماعي «أن رياح التغيير تخطت جبال الألب».

وقبلها كانت تصريحات وزير الداخلية الإيطالي ماثيو سالفيني والذي أعرب عن أمله في أن يتحرر الشعب الفرنسي قريبًا من رئيس سيء للغاية»، وكانت مثل هذه التصريحات كافية لإشعال الغضب الرسمي الفرنسي واعتبر أنها تدخل في الشؤون الداخلية لفرنسا، ولهذا تجد فرنسا نفسها محرجة من أي تصريح يخص الجزائر، ولكن هذا لا يفسر كل شيء.

فإذا كان المستوى الرسمي الفرنسي صامت لا يتحدث عما يدور بالجزائر ولا يعلق عليه، فإن وسائل الإعلام الفرنسية تتحدث عما يجري بالجزائر وبإسهاب كبير وتعمل على اعتبار ذلك الصمت بمثابة استراتيجية تجعل فرنسا تحتاط مما سيحدث، وهذا ما ذهبت إليه صحيفة لوفيغارو التي أوردت: «إذا واصلت باريس الصمت الحذر إزاء الأزمة السياسية بالجزائر، فإنها في المقابل تنشط بشكل خفي وراء الكواليس وتتابع الوضع الجزائري ساعة بساعة».

ويذهب كاتب المقال في صحيفة لوفيغارو أن السبب وراء هذا العمل من وراء الكواليس هو تخوف فرنسا من تحدثها على استفاقة المجتمع المدني الجزائري واعتبار ذلك من طرف النظام السياسي الجزائري على أنه تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

الصحيفة تتحدث عن استفاقة المجتمع المدني الجزائري، ولكنها لا تتحدث عن الأحزاب السياسية، وتختصر المظاهرات المطالبة برحيل بوتفليقة على أنه من عمل المجتمع المدني لوحده، وتعمل بذلك على إقصاء الأحزاب السياسية من الحراك الدائر، وهذا ألا يعيد إلى الأذهان قصة ما يسمى بالربيع العربي والتركيز على بعض الجمعيات للمجتمع المدني وإبراز دورها وتضخيمه؟ وما علاقة هذا الحديث بالتصرف الذي يبديه نشطاء الحراك السياسي بالجزائر خاصة منهم الشباب على استبعاد الأحزاب السياسية وكل الشخصيات الوطنية تقريبًا من الحراك ومن أي دور مستقبلي لهم واعتبارهم جميعًا شركاء للنظام السياسي؟

خاتمة

إن الصمت الفرنسي ليس بريئًا ولا يمكن رده إلى تلك الفرضيات، فهو صمت مريب والكولسة الفرنسية معروفة بعملها التخريبي ضد الشعوب، خاصة منهم شعوب المستعمرات القديمة والتي لم تخرج منها فرنسا في الحقيقة إلا بجيوشها فقط، فقد بقيت الثقافة والذهنية الفرنسية تعشش في رؤوس تلك الشعوب، وجعلتها دائمًا تعمل ضد منطق التطور والتقدم».

وهذا ما يفسر ما كتبته الصحفية مادلين ميتيير والتي بدأت بلفت الانتباه إلى خطورة ما يجري بالجزائر معتبرة أن المسالة مقلقة بالنسبة لفرنسا وختمت مقالها بقول دبلوماسي فرنسي آخر: «علينا أن نؤمن استمرار العلاقات الثنائية وفي الوقت ذاته من حق الشعب الجزائري أن يتنفس ويعبر عن رأيه».

من جهة أخرى فتصريح غابرييل أتال سكرتير الدولة لدى وزير التربية الوطنية والذي جاء فيه: «اننا منتبهون لما يحدث بالجزائر، كل هذا يتم تتبعه عن كثب، وهذا لا يعني أن لدينا أوامر يمكننا إعطاؤها للشعب الجزائري»، يفهم منه على أن فرنسا تتابع الوضع وصمتها لا يعني أنها غير مكترثة والأكيد أن لديها خطط من أجل الجزائر، فمجمل التعليقات سواء من طرف المسؤولين الفرنسيين القلائل أو من طرف وسائل الإعلام الفرنسية توحي وأن عين فرنسا لا يمكنها أن تغيب عن الجزائر، وفي هذا الصمت الغامض ما يشير إلى ريبة ويجعل الجزائريين أكثر حذرا من أي تلاعب من طرف أصدقاء فرنسا بالجزائر، خاصة من تلك النخب التي كثيرًا ما ادعت أنها تنويرية حداثية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد