لا شكّ أن للمال أهميّة قصوى في حياة البشريّة، لاسيما في هذا العالم التكنولوجي والرّأسمالي الحديث؛ لأنّه لا شيء يتحرّك دون مال، سواء كان في المدن أم في القرى غضّ النّظر إلى أعمار النّاس في حبّه صغير كان أو كبير قال تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا. سورة الفجر، الآية 20، فالكلّ يعرف قيمة المال وأهميّته في العالم، وقد تثبت ذلك في الكتاب والسنّة، ففي الكتاب قوله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. سورة الكهف، الآية: 46. وفي السنّة المطّهرة قول أشرف البشرية وإمام الرّسل محمّد صلى الله عليه وسلّم: اليد العليا خير من اليد السفلى. رواه البخاري.

كما أكدّ ذلك في تحليل الفكرة التالي: من الصّعب أن ينال أحد التربية أكاديميًا كافيًا دون المال، ولا حياةً سعيدة مطمئنّة طيبة ومحترمة بالاعتماد على النفس، وعرض المظهر الجميل والنظيف، أو تناول أطعمة جيدة دون شيء من المال، وقد توافق بكرةً الزّواج بالغنيّ، ولو كان سوءًا خلقه، وتهجر الفقير مهما أحسن خلقه وسيرته، كما يموت إنسان قبل يوم مماته بمرض لم يستطع توفير أسباب علاجه، ولا حاجًا يحج، ولا معتمِرًا إلى بيت الله الحرام دون زاد، ناهيك عن التواصل تكنولوجيا مع العالم، أو القيام بالسفريات السياحية أو الترفيهية الزاهية دون مال.

إذا اتفقنا على هذا، سوف نقنع أنفسنا أنه لا جدال أن المال له أهميّة كبيرة كما سبق ذكره، والمسألة الرئيسة الآن، كيف نواكب بين المال والإنسانية الصحيحة؟ أهل نتّبع المال اتباع الكلب صاحبه؟ في ماحاولة جمعه عميانا دون مبالاة عن مصدره أو هو حلال أم حرام؟

هذا الطرح هو لبّ مقاتي فاستمع أيّها القارئ النجيب!

أوّلًا: لا تنسى أنّ لك عقيدة ومنهاجا يهديك إلى سواء السبيل، ونبيّ أشرف البشرية وإمام الرّسل لم يدعُ إلى الدّنيا مطلقًا، وإنّما وازن بين طلب الدّنيا والآخرة في الحديث، قال عليه والصلاة والسلام: اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل للآخرة كأنّك تموت غدًا. حديث شريف.

لكنّه دعا مباشرة وصريحًا إلى طلب العلم، بما أنّ أوّلة سورة نزلت في القرآن هي (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) سورة العلق، الآية. 1، وإن تكن أسباب الدراسة وطلب العلم بالمال، فواضح أنّ العلم شيء والمال شيء آخر، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) سورة الزمر، الآية: 9.

ثانيًا: لا ننسى الإيمان بالقدر خيره وشرّه، وهذا بالتأكيد أنّه هو الرّكن السادس من أركان الإيمان، وهل يمكنك الإيمان بالخمسة الباقية والكفر بالأخيرة؟

إذا كان الجواب: لا! فلا تحزن لكونك فقير بائس، بأن تقول لنفسك وسوسة: ذهب عنّي الدّنيا ملذّاتها، ربّما هو ابتلاء من خالقك ورازقك كما ابتلا أممًا غيرك وثبتوا على عقيدتهم الإيمانية الصحيحة، وإذا ما رضيت بهذا الركن: الإيمان بالقدر، فسوف تضلّ ضلالًا بعيدًا، ويكون الشيطان قرينًا لك، وإذا كان الشيطان الملعون والمطرود من رحمة الله هو وليّك لا شكّ فيه أنّك قد خسرت الدّنيا والآخرة لاتباعك إيّاه خطواته، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) سورة البقرة، الآية: 168.

والآن المسألة تكمن على مفهوم خطوات الشيطان التي تقود إلى التهلكة والخسران في الدنيا والآخرة لنحذر منها ونستبعد عنها؟ خطوات الشيطان تتمثل كالتالي:

الأعمال الإجرامية: غض النظر في أنواعها وألوانها ودرجاتها، الأسباب التي تؤدي إليها التالي

القتل، السرقة، النهب والسلب، الزنا، الكذب، الظلم، والرشوة، الشرك ومنه الميل إلى الكهانة والشعوذة والسحر، وكذلك التعاطي بالعقاقير والمخدرات التي تحوّل الإنسان السويّ إلى شيء آخر: فقدان العاطفة، وقاسي القلب، مدمّر الضمير، خامر الفؤاد، متّبع للهوى، اتباع المال بغية جمعه حيث وجدته دون مبالاة عن كونه حلالًا أم حرامًا.

يا ترى! أتنسى أنّك سوف تجد نفسك في داخل السجون وتتعرض على الإهانات والتعذيبات المستمرّة؟ أين السرعة لتكون غنيًا بأي طريقة؟ كما تنسى أنكّ سوف تفقد حياتك الغالية عند عملياتك الإجرامية: كالسرقة والنهب والسلب؟ كما لا ينسى الظالم الذي يظلم النّاس ظانّا بأنّه أعقل النّاس، أنّ الله يراه، كما أنّ النّاس يعرفونه وهو لا يعرف، وأن هذه الصفة الغبيّة هي واحدة من صفات المنافقين التي جمعها النبيّ الشريف في ثلاث عبارات، قائلاً : (آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه.

على هذا الضّوء، تعالوا نتفق على أهميّة المال، لكن علينا أن نكسب هذا المال بطريقة يرضي بها الله ورسوله، يعني وجه سليم، ونستخدمه كذلك في سبيله عزّ وجلّ إن وجدناه، وإذا كنّا فقراء، فعلينا بالصبر والمصابرة على أحوالنا في الإيمان بالقدر خيره وشرّه، وعدم الانتكاس الرؤوس بالهزيمة والتكاسل، بل علينا بالعمل بالجدّ والاستقامة مع الدّعواة من الله التوفيق، لا تيأس ما دمت على قيد الحياة، أخيرًا: حذار حذار باتباع خطوات الشيطات؛ لأنّه للإنسان عدوّ مبين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد