المؤاخاة

في المطلق الحب والبغض في منطق العقلاء وأهل الدين يبنى على المواقف بغض النظر عن القرابة والصلة، وفي المقيد لا قداسة في ذلك سوى للأب والأم، ولذا جعل الشرع لهما استثناء من تلك القاعدة. لكن الاستثناء له علة، ألا وهي الفضلانية، لما للأب والأم من جهد ومشقة ومعاناة مع أبنائهم منذ الولادة ثم التربية والنفقة والخدمة والاهتمام، ولتبدل القدرة الزمنية، وتحولهما من القوة إلى الضعف، وتحول الأبناء من الضعف إلى القوة… إلخ.

الأب والأم استثناء دون غيرهما مما نزل عنهما، فهما غير قابلين للتبديل أو الاستبدال، وقيد الشرع البر بالمخالفة في الأمر الإلهي، أما بعد فالكل قابل للاستبدال مهما كانت درجة الصلة والقرابة، والمباح الاحتكام إلى المواقف لربما تفقد أخًا من دمك لموقف، وتكسب أخًا ليس من دمك لموقف، ولذا قال العرب وهم حكماء: «ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك»، ولم يقولوا مثلاً ربَّ أمٍ لك لم تلدك أو أبٍ لك لم ينجبك، والتساؤل كيف يحل أخٌ غريب محل أخٍ قريب؟!

يحل الأخ الغريب محل أخ الدم بالمواقف، وبمدى النفعانية والمضرة، فإذا نظرت إلى إخوة يوسف، وهم سُلان الأنبياء، وحللت انقسامهم على تقرير مصير أخيهم، وهو أخو الدم، تجد فريقًا شديد القسوة والحقد قال: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم، بينما فريق آخر أقل قسوةً وحقدًا قال قائلُ منهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة، هذا موقف إخوة الدم!

موقف الغريب، فقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وفيما بعد كانت المؤاخاة بين يوسف والفتيان في السجن، لأنهما أقرَّا له بالنبوة والصلاح لصدق وحق ما قال، وهذا موقف.

ثم قال يوسف للفتى الذي ظن أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك، فظل سبع سنين أنساه الشيطان ذكره عند ربه إلا أنه ذكره، فكان سببًا في صعوده إلى الملك، فلما رأه الملك قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين، وهذا أيضًا موقف.

الموقف الآخر بين موسى والخضر على أن ينزل موسى، وهو نبي ورسول من أولي العزم إلى الخضر، وهو عبد صالح لطلب العلم، وأن يبلغ موسى مجمع البحرين، وهي رحلة شاقة ليصل لهذا العبد الصالح ليتلقى بعض العلم الذي ينقصه ثم يلتقي به، ويقطع معه الأشواط، ورحلة طويلة من الشد والجذب إلى أن قال له الخضر هذا فراق بيني وبينك، ولولا عجلة نبي الله موسى لعرفنا الكثير من العلم الغائب لكن العجلة قطعته، وهذا أيضًا موقف.

من أول الأعمال التي قام بها النبي محمد بعد الهجرة تشريع نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكان من أسس هذا النظام مشاركة المهاجرين للأنصار في السكن والمأوى والطعام مساعدة لهم إذ أن أغلب المهاجرين قاموا بترك أموالهم وثرواتهم في مكة، وكان الهدف من التشريع إرساء أسس تنظيم اجتماعي يلغي الفوارق التقليدية في المجتمع، ويستبدلها بروابط جديدة تحقق تغييرًا ملحوظًا في طريقة حياة المسلمين تميزهم عن باقي القبائل العربية.

كما أن هذه المؤاخاة جعلت التآخي سببًا للوراثة علاوةً على النسب كما جاء في القرآن «ولكلٍ جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم» إلا أن التشريع نسخ جزئيًا بعد أن استقر المهاجرون في المدينة فألغيت الوراثة لقوله «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض» إلا أن الله أبقى على المؤاخاة لقداسة المواقف النبيلة عند المؤمنين، وإرساء مفهوم المؤاخاة بينهم.

بلغ الكرم في الجاهلية حد أن الرجل إذا نزل عليه ضيفًا أعزب لا مرأة له عرض عليه إحدى زوجاته، فإذا رضيها طلقها وأعطاها إياه لينكحها على ألا يقيم دون امرأة مدة الضيافة، وإن شاء أخذها حيث رحل لأن العطية لا ترد، إلا أن الإسلام حرم ذلك حتى انقضاء فترة العدة، ولعدم الاستهانة بأمر الطلاق لما فيه من ضرر وأذى اجتماعي وأسري، ولاعتزازه بحقوق المرأة وصونه لدورها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد