لا أعرف من أين أبدأ؟ ولا كيف أصوغ كلماتي رغم بحرها الواسع؛ ربما لأن الحديث عن الذات ممتلئ بالشجون ويعج بالذكريات، وتتقاطع فيه خطوط الماضي والحاضر وتتسابق كلاهما لصناعة المستقبل كل حسب قوته في النفس وتأثيره في واقع الحياة.

ولد قائدًا:

لكني أدرك جيدًا أن هناك غلامًا ولد كي يكون قائدًا ومعلمًا بكل ما تحمل تلك الكلمة من معانٍ ليس لتميز فيه وحسب؛ بل لهذه الرعاية النادرة التي حظي بها، وذلك الاهتمام الذي ناله من القريب والغريب منذ نعومة أظافره، وتلك التربية التي كأنها وجدت من أجله وحسب، قولًا وفعلًا، في الوقت ذاته الذي يُحرم منها الكثيرون غيره، فما أعظم أن تسمعها تتردد على أذنك وتضرب بجوانب نفسك كل يوم «إنَّ إبراهيم كان أمة»، وما أجمل أن تراها كل لحظة في عيني أبويك وفي نفوس محبيك، نعم غُرست بذرة ورعاها الجميع كل حسب قدرته وحسب مهارته لتصبح شجرة مباركة في هذه الحياة، معمرة في الأرض، مثمرة بالخير والصلاح والإصلاح بين الناس، صامدة أمام مصائب الدهر وابتلاءات القدر وعواصف الأيام، فهل بقيت وماذا جرى لها؟!

سنة الابتلاء:

لا ينكر إنسان في هذا الكون الفسيح أن سنة الابتلاء للمخلوقات هي ذلك الناموس الخالد فيها من قيوم السماوات والأرض، ولاسيما البشر منهم، ولم لا والله تعالى يقول في كتابه الكريم :«الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا»، فمنذ خُلق آدم، عليه السلام، ابتلاه ربه وهو في المكان الأعظم بذلك الملكوت في الجنة، ابتلاه بإبليس، وكان سببًا بتقدير الله في الخروج منها والنزول لتعمير هذه الأرض.

فما بالنا بمن يعيش في عالم يعج بشياطين الإنس والجن ويزدحم بآلام الحياة، وتضرب فيه الفتن بعضها كموج البحر، ما بين أوجاع يمر بها الإنسان وظلمات يعيش فيها مجتمعه وتتخبط فيها أمته، فلا ينظر يمنة إلا وهناك صرخات نفسه، ولا يسرة إلا وهناك صيحات أمته، ولا يتأمل أمامه إلا ورأى تلك المخاوف من المستقبل تخطو إليه بسرعة البرق، فلا يتجرأ على النظر إلى الماضي الجميل لحياته وربما لتاريخ أمته المشرق فيزداد حسرة على ذلك الواقع الذي وصلا إليه سواء بسواء، ويتجرع كلاهما كأس المرارة في حاضر مرير، رغم النعم وآيات الجمال التي تشرق فيها حياته، وتنعم بها أمته من رب العالمين.

نِعَمُ الله عليه

نعم هو لم يكن يومًا تابعًا لأحد، ولا يتذكر يومًا حتى في طفولته أنه تبع نظيرًا له، بل كان دومًا متبوعًا ونبراسًا بين أقرانه، كالشراع الذي يتجهون إليه بأبصارهم وبصائرهم يقلدونه في كل شيء بإيجابياته وسلبياته، حتى كان له أثره البالغ على من التقاه وسمعه واجتمع به وعايشه وتعلم على يديه مما أفاض الله عليه به من حفظ كتابه، ونيل درجات واسعة من العلم والاجتهاد فيه، وحظ وافر من الدعوة والتربية، واكتساب مهارات القيادة، ومواجهة الجمهور ومخالطة الساسة، وقيادات المجتمع، وملاقاة العلماء ومعايشة الشعراء والأدباء. فكان رغم كل الابتلاءات صامدًا وصابرًا يكافح ويجاهد؛ لأنه يدرك ويعي جيدًا أنه وُلد فريدًا في ليلة أضحى، وسُمي باسم صاحب تلك السنة الباقية إلى يوم القيامة فخلده الله في كتابه «إبراهيم» فكيف يهمل تلك البذرة ويتناسى الهدف الأسمى الذي غُرست لأجله. كان أُمَّة؟!

ضعف من بعد قوة

لكنّ الإيمان شِرَّةٌ وفِتْرَةٌ والقوي مهما تقوى لا بد وأن يضعف يومًا، ولكن الفائز حقًّا والمفلح في هذه الحياة هو من ينجو من ضعفه دون أن يتلوث، ويخرج من محنته دون تبديل ولا تغيير، وينطلق بأقوى مما كان، فقد تعلمنا صغارًا أنّ الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك، وأن كنف الله لا يتخلى عن عبد تعلق به وإن سقط في آبار الهوى وكهوف الدنيا وأعماق الألم وغياهب الظلمات «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا».

لكنّ الكثير من البشر قد جُبلوا على التأثر والتأثير، فليست كل النفوس قادرة على أن تتغير ذاتيًّا لضعفها في مرحلة ما، وقد تحتاج لقوة خارجية تؤثر فيها، وتعيدها للطريق الصحيح الذي خلقت لأجله، ونشأت في كنفه.؛ لذا كانت وصية ربنا في كتابه الكريم: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا» فكيف تُلام نفوس البشر الضعيفة وهذا آدم النبي يعيش في مجتمع الجنة، وصحبة الملائكة، ونعمٍ عظيمةٍ لا تُعد ولا تحصى ثم يبتلى بإبليس ويفتن بالشجرة ويخرج منها هو وزوجه؟! ألسنا أحق بالابتلاء! ولا غرو أننا لسنا بمعصومين بل ذرية بعضها من بعض؟ فرفقًا بالمبتلين ورحمة بالغافلين،  وسلامًا على المتعبين والتائهين. فقد يكون ابتلاؤهم عظيمًا ونحن لا ندري.

الرسالة التي بدلت المقادير

بين هذه العواصف كانت تبحر سفينتي في بحر لجي، تتقاذفها أمواج الغربة لسنوات مديدة، غربة عن النفس، وغربة عن الدرب، وغربة عن الحياة، وغربة عن الرفقة الطيبة، حتى ظننت لوهلة أنّ تلك الشجرة قد ذبلت أزهارها ويبست أوراقها ولم تعد تثمر من جديد، ولا يفصلها عن الموت سوى كن فيكون، لكنّ الله يسوق من الأقدار ما يحيي به النفوس الميتة، وينبت من القاحلة أصلب النخيل وأثمرها وأطيبها.

فإذا أذن الله برياح التغيير جاءتك من حيث لا تدري، ومن حيث لم تكن تتوقع، ربما بكلمة صادقة تسمعها، أو عبارة بليغة تأخذ بلباب نفسك، أو ربما بآية تخرق جدار قلبك فتلينه، أو لقاء روحٍ نقية تفيض عليك مما فيها، أو رسالة مخلصة من بين جوانب النفس ونبض الفؤاد تأسرك بصدقها، وتحتويك بعمقها، وتزلزل كيانك بحروفها، وتستنفرك بمعانيها، فتجبرك على التوقف عن الزمن والحياة والواقع لتأمل ودراسة كل حرف فيها، وكأنها خُطَّت من ماء قلبك الذي منه خُلقت، فتسري بك بين صفحات الماضي، لتراجع من خلاله مسيرة حياتك بأكملها، وترسم بنضارتها مستقبلًا جديدًا يليق بتاريخك المشرق، وتصنع من كلماتها وثيقة جامعة لحياتك بكل ما تفيض به من خير ويقينٍ وأمل.

أجل إنها تلك الرسالة التي كُتبت بخط منسق وجميل، ويد مبدعة تدرك مجرى الحروف، وصنعة القلم، ومرامي الكلمات، وقلب رائع يعي معاني الوفاء والشكر والتقدير لكل من أفاء عليه بجميل، فلا تستصغروا الكلمات مهما كانت بسيطة فأثرها عظيم، ولا تستهينوا بالحروف فقد يغير أحدها حياة إنسان وقد يدمرها آخر، ولا تتساهلوا بالمواقف فأثرها يبقى ولا يزول ويخلد في الوجدان ويصبح تاريخًا لنا لا تمحوه الأيام ولا يزول مع الموت «إنا نكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين».

شكر وامتنان:

فلكل من يقرأ هذه الأسطر، تلك هي حكاية ذلك الإنسان الذي يخط هذه الحروف بإيجاز. ولعل قابل الأيام قد يفيض الله علينا فيه من الحكمة والوقت والبركة أن تُسجل فيه بكل تفاصيلها، راجيًا ربي الرحمن الرحيم أن يغدق علينا بمستقبل يرضيه، وأن يجعل تلك الحياة أثرًا طيبًا في نفوس البشر. وأن يبارك في هذه الشجرة التي غرست لتعمر لا لتموت.

فشكرًا لتلك اليد الحانية التي ربتني، شكرًا لأمي وأبي وإخواني، وشكرًا لكل من رعى هذه النبتة ولكل من سقاها بالخير، ومن أغاثها وقت الجفاف، وساندها وقت التعب، وخفف عنها ساعة الألم، وشكرًا لتلك اليد التي أعادتني للطريق، وأنهت بحروفها خريفًا طال أمده،  فأصبح ربيعًا لا ينتهي. شكرًا لتلك الرسالة التي غيرت بقدر الله حياتي. وشكرًا ثم شكرًا ثم شكرًا يحمل بين طياته حياتي بأكملها فداء لصاحب تلك الرسالة.

رسالتي الأخيرة لكل من وصل إلى الختام:

هل وصلتك الرسالة وانتبهت لما فيها؟ أم ما زلت حائرًا على الدرب لا تعرف أين الوجهة؟ ومن أين الانطلاقة؟ وكيف ستكون النهاية؟ أدرك أن الأمر قد يكون صعبًا عليك، وأدرك كم هي العوائق كثيرة، لكن اليقين الذي بقلبي هو من جعلني أكتبها لك، نعم لك أنت ولكل صاحب هدف عظيم في هذه الحياة، يبدأ النجاح مع الخطوة الأولى في السعي، فإياك والتوقف حتى وإن عجزت قدماك، فقلبك ما يزال ينبض بالحياة وحرام على من ملك الحياة ألا يعمر الأرض، وإياكم والتسويف، فإنه أول الهلاك، واحذروا الغرور فهو أول السقوط، واحتووا الناس بالحب فلن تسعوهم بأوقاتكم ولا أموالكم، وإنما النجاح صبر ساعة كما النصر سواء بسواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد