منذ بداية أزمة الصحافي الراحل جمال خاشقجي وهناك أسئلة غير مهمة تم تداولها، لم تكن تخص اختفاءه بشكل مباشر، بل كانت تتعلق بأمور أخرى، ربما لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام الإعلامي نظرًا لكونها غير مهمة للسادة الإعلاميين المروجين للقضية دفاعا أو هجوما، وكذا للسادة السياسيين الذين استطاعوا بحنكتهم السياسية القذرة أن يرقصوا على جثة خاشقجي جميعًا، بدافع أنهم ينشدون الحقيقة، في حين أنهم ينشدون قلب السحر على الساحر، والتملص من الدماء بإراقتها على قاتلها؛ ليخرجوا من الأزمة «زي الشعرة من العجين»، نعم أقصد الزعيم المُفدى والخليفة المُلهم أردوغان، الذي اتضح من أول يوم رغبته في الكشف عن الجريمة لا حبًا في الحرية أو هيامًا في «جمال» خاشقجي – ولك أن تأخذ الجمال علمًا أو مُضافًا – إنما سعيًا لتبرئة بلاده ونظامه وسمعته مما أردات السعودية أن تلطخه به، أو بدافع أنهم «عملوا ودن من طين وودن من عجين» لمداراة الفضيحة والابتعاد عن دائرة الاتهام، ثم ما لبثوا تحت ضغط إعلامي دعائي «بروباجندي» أن ينتقلوا إلى «ليفل» أعلى من القذارة بقتل القتيل والسير في جنازته وعلى جنازته أيضًا، ودار الأمر بين أروقة السياسة والمخابرات والإعلام، حتى انكشفت الحقيقة، أو هكذا يدّعون.

نعم لم يكن بينهم بريئًا ولا طاهرًا، كان الكل يخدم هدفًا. لم يسع أحد لتكريم خاشقجي إلا بدافع من مصلحته، لم تسع تركيا الأردوغانية إلى الحقيقة إلا لإثبات قدرتها على الرد، ولم تسع السعودية البن سلمانية إلى إهدار دم خاشقجي إلا لإظهار قدرتها على البطش، ولم تخصص الجزيرة كل أسطولها الأعلامي وأشاوسها إلا لإبراز قدرتها على الانفراد، ولم تتدخل أمريكا الترامبية إلا لإعلان قدرتها على استثمار الموتى في صفقات السلاح، وقِس على ذلك الواشنطن بوست، وكل من أو ما ذُكر اسمه مرتبطًا بتصريح أو تعليق على مقتل خاشقجي.

قد تراني متحاملًا أو متجاهلًا أو جاهلًا، لكن قل لي: كم تغريدةً وكم تعليقًا إعلاميًا حمل «#جمال_خاشقجي» وكان يتحدث عن الحق في الحياة أو الانتقام لجمال باعتباره إنسانا مثل غيره؟. أحصها وأخبرني.

كذلك أجبني عن هذه الأسئلة غير المهمة عن مقتل خاشقجي: لماذا حظى مقتل خاشقجي بهذا الدعم الإعلامي والدولي؟ هل لأنه صحافي معارض، أم لأنه ينتمي لمؤسسة صحافية أمريكية، أم لأنه أمر يتعلق بالصراع السعودي التركي؟ كم من صحافي في أنحاء الوطن العربي قُتل واعتقل وتمت تصفيته دون هذه «الهوجة»؛ لأنهم ببساطة لا يحملون هذه التركيبة المعقدة التي توافرت في قضية خاشقجي، وبعيدًا عن الصحافة والإعلام كم من شخص «غلبان» قُتل بعيدًا عن الإعلام وبدون دافع سياسي أو دولي؟ لماذا لا يحظى أطفال المجاعات بهذا الضغط الإعلامي الدولي لمعرفة المتسبب في مجاعتهم، والضغط للاقتصاص منه؟ لماذا لا ينال ضحايا الحروب حقهم في المساومات التركية السعودية؟ لماذا لا تندرج حقوق الفقراء صمن أوراق المساومات والتسويات الأمريكية؟ لماذا لا تخصص الجزيرة والواشنطن بوست كل ساعات عملهما من أجل كشف ألغاز قتل البسطاء والمرضى؟ لماذا ولماذا ولماذا؟

ألم أخبرك قبل كلها أسئلة غير مهمة، ليست من عينة أين جثة جمال خاشقجي؟ أو ما مصير حرية القول والإعلام في العالم العربي بعد مقتله؟ إنهم يبشروننا بانفراجة حقوقية في مخيلتهم فقط، فجمال لن يكون الأخير قطعًا، ولكن سيسعى حكام العالم إلى مزيد من الإتقان في القتل، والقذارة في المساومة، والدناءة في التناول، والخسة في التعليق، لن يغير مقتل خاشقجي من حقيقة كون الوطن العربي أرضًا للقهر والظلم والفساد، ولن تستحي الأنظمة الحاكمة عند القتل في المرة القادمة، لذا نتمنى لهم – على غرار مسابقات اخدش هنا برفق- حظًا سعيدًا في المرة القادمة، فالسعودية لن تتبرأ من مقتل خاشقجي؛ لأنها – ببساطة – أرادت هذا، ولم تراع الإتقان؛ لأنها – ببساطة أيضًا – لم ترد هذا، فقوة الفعل وردود الأفعال تؤكد أن السعودية حظت بمكاسب عديدة من مقتل جمال، أقلها أنها تخلصت من صوت معارض كان يزعج أذني قادتها، وأوسطها أنها أبلغت منافسها بقوة بطشها والتي قد تصل إلى أراضيه، وأعلاها أنها أبرمت صفقات دولية لم تكن لتعقد لولا الحادثة، لذا فالإجابة النموذجية لمقتل خاشقجي لن تقدمها السعودية؛ لأنها ليست ملزمة بذلك، وحدثني عن مكسب المواطن السعودي حينما وقف الخلق ينظرون جميعا كيف تقتل السعودية إنسانا أمّنته في سفارتها، فالمهم هنا هو «السعودية هاتعمل إيه مع المواطن السعودي؟».

السعودية لم تخف جريمتها؛ لأنها تريد الإفصاح عن قوتها، والإعلان عن سعودية جديدة ذات أنياب، هذه شخصية ابن سلمان التي أظهرها للجميع منذ توليه مقاليد الحكم، لذا فإن ما يتحدثون عنه من إدارة احترافية للأزمة هو أمر على غير حقيقته. بالفعل هي احترافية، لكنها احترافية في استغلال الأزمة، احترافية في مواراة الأزمة، احترافية في الحقارة والخسة، وتنافس على قاع الأخلاق.. هكذا الأمر إذًا.. سلاح أمام روح، ومال مقابل صمت، نشتري الصمت بالمال، ونبيع الأرواح بالسلاح، هذا كوكب من السماسرة والنخاسين والدلالين، ونحن لا نملك إلا أن نكون أرقاما في معادلات، وخانات في إحصاءات، وحروف في بيانات، ما لنا والحرية والقول والرد، في بلاد ما ارتوى ظمأ حكامها، ولن يرتوي لا بتراب ولا بدماء.

لقد تخلص حكام العرب من لعبتهم المفضلة، لعبة المداراة والاختباء، بأن يستغلوا الحادثة ليبتعدوا عن الأضواء ويظلوا المتحكمين من خلف الستار، ويقدمون قطعانا من أكباش الفداء لمغامراتهم وسياساتهم، لم يلعب ابن سلمان «استغماية» هذه المرة، اللعبة التي يحبونها أو التي كانوا يحبونها، بعد أن أصبحنا في زمن البجاحة والوجه المكشوف، فقد كبر، ولم يعد «بكف رقيق وصغير»، إنما صار على درجة من البجاحة تؤهله للبقاء بعد غسل يديه من الدماء، وتعطيرها بالعود والعنبر والعطور، وبلغ من الثراء ما يمكنه من شراء سكوت العالم على طعنات سكين غدره.

أما بعد؛ مات خاشقجي لكن الكلام عن موته لم يمت بعد، والكلام عن الأحياء بعده في ظل هذه البحور من الدماء الباردة يبقى عبثا لا طائل منه، فلن يتحرك أحد من هؤلاء المتشدقين بالحريات والإعلام والسياسة إلا إذا تكررت الحادثة مع شخص ذي حظوة وصيت، فهذه طبيعة بلادنا، يموت الفقراء والضعفاء فتبكيهم السماء ولا تحزن الأرض عليهم، ولا تذرف دموع قاتلهم رحمة أو رأفة، ويموت المشاهير فتبكيهم الأرض، وتتباكى على قبورهم الشاشات، وإذا كان خاشقجي قد قُتل غدرا فهو أولًا وآخرًا إنسان نحزن على قتله وإهراق دمه، لكننا نراه ضحية كبقية ضحايا القتل التي لن يكون آخرها، في ظل مسلسل الموت الذي لا تنتهي حلقاته ولا ينتهي كاتبه منه، وما كان مقتل خاشقجي إلا خطوة من خطوات النظم الحاكمة على رقاب شعوبها لتشغل العالم بقضايا الإعلام والحرية عن قضايا الحقوق والإنسانية.

أعطوا للصحافيين حرية القول والتعبير، وأمّنوهم على حياتهم واقتصوا من قاتليهم، لكن لا تنسوا أنكم في سبيل ذلك ستنسون أناسا آخرين لا يعرف العالم أسماءهم ولا يعلم أنهم قُتلوا؛ فهم ليسوا خاشقجي، ولا يعرفهم أردوغان، ولا يقايض عليهم ترامب، ولا تتناولهم عدسات الجزيرة وأقلام الواشنطن بوست إلا لتهاجم نظامًا أو تدعي شرفًا تداري بها دنس أيديها وألسنتها وأحبارها.

عزيزي جمال ارقد في سلام إن كنت جسدًا، ولا تحزن إن صرت قِطعًا، فالروح لن تموت أبدًا، وغدا نلقاك زُمرًا، لندرك بأي ذنب قتلوك غدرًا، وعلينا وعليك السلام.

اتقوا الله في قتلاكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد