ثمة أمور تدل على صعوبة إيجاد وخلق طرّح أُحادي للأزمة المصرية التي اندلعت في أعقاب بيان الثالث من يوليو والذي تلاه قائد الانقلاب العسكري “عبد الفتاح السيسي”، فالواقع المصري يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن عنصري التأثير في الحياة العامة المصرية هما: التيار الإسلامي “جناح مدني”، والمؤسسة العسكرية “جناح عسكري”، وأن فكرة إقصاء طرف منهما للآخر مستحيلة الحدوث.

الصراعات بدأت في سنتي 1954 و1965 ولم يستطع الطرف الجاني حينها وهو الجيش أن يُقصي جماعة الإخوان المسلمين من الحياة العامة، بالرغم من اعتقاله في كل مرة للآلاف بل وصدور أحكام عسكرية على مئات من قيادات وأفراد الجماعة أصابت الصف بالهشاشة والضعف.

لكنها بالرغم من بلوغها ذروة الشدة والظلم لم تُقصيه بل عادت الجماعة للحياة العامة بشكل تدريجي مكنها من الفوز في انتخابات بعض النقابات وفي الانتخابات التشريعية في عدد من الدورات التي شاركت فيها الجماعة بداية من انتخابات 1976م التي نجح فيها للإخوان الشيخ صلاح أبو إسماعيل والأستاذ عادل عيد.

وفي انتخابات 1979م والتي نجح فيها أيضًا الشيخ صلاح أبو إسماعيل، والحاج حسن الجمل ولهما يُنسب أهم “إنجاز سياسي ودستوري للحركة الإسلامية في هذا العصر”، وهو جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في مصر عام 1979م، إضافة إلى تشكيل لجان لتقنين ومراجعة القوانين على حسب مقتضيات الشريعة.

وشارك الإخوان في انتخابات 1995م ورشحوا 150 مرشحًا في ظل ظروف أمنية قاسية لم ينجح منهم أحد إلا نائب واحد، وتعرض الإخوان بعد هذه الانتخابات لمحنة جديدة أودت بعشرات من قياداتها للمحاكمات العسكرية، وبالرغم من هذه المحنة شارك الإخوان في انتخابات عام 2000م وفازوا بـ17 مقعدًا وهو ما يُثبت أن المحنة لم تكسر الجماعة، بل أعطتها زخمًا وتعاطفًا شعبيًّا ودوليًّا، توالى التضييق الأمني على الإخوان وتوالت قبضة قانون الطوارئ والذي أنشئ خصيصًا للتضييق على الجماعة وفعاليتها، وبالرغم من ذلك شارك الإخوان في انتخابات 2005م، ورشحوا 160 مرشحًا فاز منهم 88 مرشحًا ليصبحوا أكبر كتلة معارضة في مصر.

هذه القبضة الأمنية وقانون الطوارئ والمحاكمات العسكرية أسقطتها ثورة يناير والتي كانت جماعة الإخوان المسلمين طرفًا رئيسيًّا مشاركًا بها، والتي أتت أيضًا بالجماعة على رأس الدولة بعد أن أسست الجماعة حزبًا سياسيًّا وفازت بنسبة 47% من الانتخابات البرلمانية التي تلت الثورة في 2012، وأُعلن أيضا في 16 من يونيو 2012م فوز مرشحهم الدكتور محمد مرسي في أول انتخابات رئاسية نزيهة وكأول رئيس مدني، هذه التجربة التي لم تستمر طويلًا حتى انقلب الجيش مجددًا على الحياة السياسية وعزل الرئيس المنتخب وخاض غمار من المواجهة مع الجماعة ومؤيدي الرئيس المنتخب، صنع أزمة كبيرة في البلاد وأودى بحياة أكثر من 4 آلاف شهيد و40 ألف معتقل من أعضائها بحسب تقديرات حقوقية.

 
التاريخ خير شاهد على أن الصراع مهما اشتد فلن يكون بمقدور طرف من أطراف النزاع، سحق أو إقصاء الطرف الآخر، وأن تكرار تجارب الأمس فيه مضيعة من وقت البلاد، ولن يثمر إلى أي نتيجة أُحادية، فلن تستطيع التظاهرات المستمرة منذ الثالث من يوليو وحتى اليوم إلى عزل الجيش أو تنحيته من الحياة العامة، وكذا لن يثمر القمع في إثناء الإخوان عن موقفهم أو إقصائهم ودحر فعاليتهم الممتدة والمستمرة.

 
وثمة تحركات إقليمية يدعمها تأييد دولي باتت واضحة وهي تسعى إلى العمل على إيجاد حل ومخرج للأزمة المصرية، هذه التحركات بدأت في أعقاب إعلان وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله وتنصيب أخيه الملك سلمان بن عبد العزيز الذي بدوره يحاول إعادة ترتيب البيت السني، بعد ظهور ملامح التوغل الإيراني في المنطقة، وشبه السيطرة الحوثية على اليمن الجار المباشر للمملكة.

بعد العودة للتاريخ وقراءة الواقع يتيسر لي القول إن هذه الأحداث الحالية ستتصاعد بعض الشيء، فالقمع سيتزايد ولكنهُ لن يكون كافيًا لإقصاء الإخوان من الحياة العامة سواء الاجتماعية أو السياسية، والتظاهرات ستتزايد، ولكنها لن تكون كافية لإسقاط حكم العسكر أو لدحر الانقلاب العسكري، وسيصبح الجميع آجلًا أم عاجلًا أمام خيار واحد سيفرضه المجتمع الدولي، وستفرضهُ القوى الإقليمية وهو مبادرة الأمر الواقع التي لا يستطيع أحد تخمين أو توقع ما قد تتضمنه بنودها، والتي بالتأكيد لن تمكن طرفًا من تنفيذ كامل رغباته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد