إن نظرة المجتمع للمرأة في الجزائر، وفي ظل استسلام تام منها، قد أخذت منحنيات أعمق بكثير وأكثر خطورة، وتحولت من الأمور الفردية والشخصية، إلى محاولة واضحة لفرض فكر معيّن وقمع فكر آخر. وهكذا تكون عمليات التمييز المختلفة خلال العقود السابقة التي كان يفترض بها أن تكون عقود ازدهار المساواة والحريات حول العالم، قد نجحت في تضليل دور المرأة وأبقتها تحت وطأة الخضوع للجنس الآخر، بالرغم من العولمة وتفتح العالم على نفسه. في الجزائر، كما هو الحال في أغلب بلدان العالم الثالث، تمّ غلق التفكير النسوي بإحكام لدرجة لم يعد للمرأة الحق في اتخاذ القرارات التي تخصها حتّى، وأصبح كلّ شيء في يد المتسلطين من الجنس الآخر حتّى عوالم الشخصية الأنثوية أصبحت تُرى من خلال أعين الرجال.

في البداية كان تعليم الفتيات ممنوعًا تمامًا، ولولا المحاولات العالميّة لضمان تعليم الفتيات وكونه معيارًا أمميًا في المستوى المعيشي لما انبرى الجزائريون إلى هذه الفكرة على الإطلاق، ولو كان ذلك بدرجات متفاوتة. فهذا الأمر لا يزال يؤرق فتيات حول البلاد، التعليم ليس مضمونًا في كل شبر من الوطن، أو على الأقل مواصلته، في ظل النظام الذكوري الأبوي تضطر الفتيات لترك المدارس في سن معيّن مجبرات غير مخيّرات، وفي مناطق كثيرة لا يسمح إلا للأقلية بالمواصلة نحو الجامعة.

المنع من التعليم في المناطق غير المرئية من الجزائر ليس شأنًا عائليًا؛ لأن التعليم حق بديهي مضمون على الأقل منذ مصادقة الجزائر على وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وليست مشكلة ثانوية؛ لأننا في زمن المشكلات العالميّة الكبرى، بل على العكس الحرمان من حق مكفول من جميع منظمات حقوق الإنسان هو ما يفترض به أن يكون مشكلة كبرى.

في أفضل الحالات، تضطر الفتيات إلى اختيار تخصصات جامعية بناء على رأي المجتمع وليس لها علاقة بالاهتمامات الشخصية – ولو كان هذا مشكلًا عامًا في الجزائر – ولهذا فإننا نلاحظ تكدس النساء في الوظائف العمومية، وبخاصة قطاع التعليم، وغيابهن عن مجالات أخرى، العلوم التكنولوجية على سبيل المثال لأنه تخصص «ذكوري».

بعد ذلك تواجه الفتيات عتبة مصيرية أخرى وهي التخلي عن سنوات الدراسة والوظيفة إن وُجدت بهدف الزواج، والتي عادة ما تكون مجبرة على الاختيار الثاني فيها كذلك، فبعد سنوات من التقييد وفرض الحدود والآراء عليها، تعتاد الفتاة على أن اختياراتها ليست بيدها، كما تكون عند تلك النقطة، قد فهمت أن النجاح العملي والحصول على عائلة لا يمكن لهما الاجتماع معًا، لسبب ما قرره المجتمع الجزائري.

التعليم هو الخطوة الأولى والأساسية لقيام أي فرد قبل قيام المجتمع، وحرمان الفتيات من التعليم، أو تقييده بشروط، له هدف واحد، وهو عدم قيام المرأة كفكر مستقل بذاته والمحافظة عليها تحت جناح النظام الذي قرره لها المجتمع.

بعد تقييد حق التعليم والعمل، يتجه المجتمع إلى تقييد حريات الرأي والتعبير، إبداء الرأي لا يحق للمرأة، إلا في مجالات قليلة جدًا وكلّها لا يجب أن تتعدى «أمور بيتها»، بينما يختص الرجال بإبداء آرائهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون أن يكون هناك تكبيل لحريتهم بسبب جنسهم، أما المسائل التي تخرج قليلًا عن نطاق أمور البيت، فرأيها يجب أن يكون فيها من رأي زوجها، وإلا فهي «تعصاه».

كيف ننتظر من المرأة وهي الممنوعة من الحديث في السياسة داخل بيتها أن تكون قائدة سياسية؟ ماذا ننتظر من مجتمع ما زال يطرح سؤال «واش راح ديري بيهم؟» على المرأة المتمكنة من السياسة والتاريخ والفكر والفلسفة؟ المجتمع الذي يرى عيبًا في المرأة المثقفة، ولا ينظر إليها على اعتبارها زادًا له في عمليّة البناء، بل سلاحًا ضده، ويحاول بشتى الإمكانيات قمعها، مستعملًا في ذلك الطرق البدائية كتكفيرها، والتي لن يصدقها أو يأخذ بها، إلا من هو تحت خط الفقر الفكري.

قمع الحريات الأساسية يصب كله في مجرى واحد وهو قمع التفكير؛ لأن التفكير ينتج الثورة والثورة تنتهي بالتغيير، وهذا ما يخشاه المجتمع الجزائري الراكد في كل المجالات، هذا المجتمع الذي نتيقن يومًا بعد يوم أن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يُبدع فيه هو وسائل التمييز بين الجنسين، وإخضاع واحد على حساب الآخر.

ما يهمله الجزائريون في هذه النقطة، هو أن تراجع المستوى الفكري للمرأة هو سبب أساسي في تراجع المستوى الفكري للجزائريين ككل، وسبب مباشر في حالة التخلف التي تعيشها البلاد. فأغلبية النساء بهذه الطريقة، إمّا أميات أو عاطلات عن العمل، أو بعيدات كل البعد عن النضج الثقافي، وبما أن مقاييس الأمم المتحدة لا تهتم بالجنس كما يأمل الجزائريون، فإن نتائج المستوى المعيشي والثقافي ستبقى دائمًا متدنيّة أمام ازدياد أعداد الأفراد الذين لا فائدة منهم في المجتمع، ليسوا سوى عالة عليه باعتبارهم غير فعّالين.

ولأن سنوات من التلقين المستمر للأفكار الرجعية والخاضعة لن تنتج لنا سوى فرد خاضع يحمل نفس الأفكار الرجعية ويستعمل نفس الأساليب في قمع الآراء وتقييد الحريات والأهم من ذلك في هذه الحالة، التمييز الأزلي بين المذكر والمؤنث، لدرجة أنتجت أجيالًا متعبة نفسيًا، هدفها الوحيد هو معاكسة أفعال الجنس الآخر، وعدا ذلك فليس هناك أهداف أخرى على المستوى الفكري. المرأة التي عُلمّت أن التفكير ليس مهمًا كفاية ثم توكل إليها مهمة تربية الجيل الجديد، فهي لن ترسخ فكرة انعدام أهمية التعليم للبنات فقط، ولو كان ذلك هو ما يحدث قولًا وفعلًا، ولكن الفتيان أيضًا سيتأثرون بها .

هذا هو الملاحظ في الجزائر دائمًا، التعلم لم يعد بتلك الأهمية للجنسين، أما حريات التفكير وإبداء الرأي فلم تعد هناك حاجة إليها في المقام الأول، فلم يبقَ هناك لا تفكير، ولا رأي، لكي يبدى، ولا زلنا نتساءل عن سبب بقائنا في المصاف الأخير، ولمَ المستوى الفكري في الجزائر في تراجع رهيب. المُربي الذي فشل في حياته الفكرية قبل أن نقول إنه فاشل في مجالات أخرى بسبب سياسات المنع والتقييد وضغوط الاختلافات «الجنسية» لن ينتج لنا أجيالًا ناجحة، بل سترث هذه الأجيال الفشل العملي والتخلف الفكري والتمييز الجنسي المغذى بالفهم الخاطئ للدين والموروثات التقليدية التي عفا عنها الزمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد