حديث حول الهجرة
ماذا يبقى من كلمة الوطن خارج الإطار السّياسي المصنّع، المناوئ لأيّ كتابة مقاومة بحجّة الموضوعية التي لم تعد تتمتّع بأي قبول فلسفي؟ كخطوة ابتدائية يضعنا هذا السؤال ضمن تناول خاصّ لمسألة «الوطن». وإن لم يكن هذا التّناول جديدًا؛ لأنّه يسترشد ضمنيًا بأعمال عظيمة في هذا المدمار، فهو يبعث دهشة مرعشة تخصّ كاتبه بالدّرجة الأولى.

هناك ارتباط عكسي متكرّر، يرشدنا إلى مظهر عامّ في طبيعة التعلّق البشري. إنّه الارتباط بين الفقد والتفكير. في الغالب يقدح غياب الشيء من الواقع، تفكيرًا متّقدًا فيه. فالهالة المحيطة بمعاني الوطن في الثقافة العربية، والتي تجعله رمزا شوفينيّا، هي راجعة إلى فراغ ملحّ يحتاج لملأ. يوم نتملّك وطنًا كباقي النّاس، ويصير هذا الوطن جزء من مشاغلنا اليوميّة المستهلكة لوجودنا، عندما نسأم حرّه وبرده، عندما يمتزج معنى الوطن بالعرق الذي ينزّ في نهارات الصّيف القائضة، عندها فقط سينزل إلى الأرض وتنتهي أسطورة المقهورين المنسوجة حول معنى مفقود. ولكن ألسنا نعيش كلّ ما سبق ( المتاعب اليومية، الحرّ، البرد، العرق…) ونعيشه على أرض ما؟ ما هو الخاصّ في حالتنا دون سائر البشر؟ ببساطة لأنّنا لا نحسّ أنّنا نمتلك وطنًا – والأمر كذلك في الحقيقة – لذلك فإنّنا نخلع عليه رداء مثاليًا ونحسّ أنّ أمل امتلاك «وطن حرّ» سيكون إذا تحقّق أجمل من كلّ واقع.

لا يخطئ البصر خلوّ أوطاننا من شروط الاستضافة المطلوبة لاستمرار الحياة، ولكن ما هو المترتّب على هذا الفضاء الهامشي الذي يحاصر الحياة في واحدة من أشدّ تمثّلاتها هشاشة؟ وبماذا تشعر الذّات الفاقدة للشعور المفعم بالكرامة والقيمة؟

تنحصر الذات عن التطلع وراء آلامها ويصبح الوجود امتدادًا لا نهائيًا لركود بغيض لا تفكّها منه أي حركة حتى تنفجر على ذاتها فقط من أجل الخروج من الديمومة المضطربة السادرة إلى منتهاها.

لا يصبح الخلاص حتى على مستوى الإيهام الطوباوي ممكنًا إلّا بانتشال ميتافيزيقي لا يدور في أفق مشهود يمكن التنبؤ به أو استخلاص أسبابه الموضوعية على أيّ مستوى، لذلك تختفي واقعيّته، ومن هنا كان وصفه «ميتافيزيقي» مناسبا له. هو حتّى ليس أملًا أو حلمًا أيديولوجيًا له ما يبرّره من الوضع الآني المتحقّق فيجعله ممكنا للتعاطي معه على المستوى المنظور (المأمول). هذا الانتشال يتبدّل في ألوان عدّة تلتقي في نزوع عاطفي، انتقامي في بعض الأحيان، للانقطاع عن الأفق الحاضر، وكلّ ما ينطوي تحته من أفكار ومعتقدات وعادات وحتّى النّاس. لا نريد هنا التطرّق للمسالك الفَنائية (الانتحار) والإفنائية (الإرهاب) التي قد يتّخذها هذا القطع الصارم. لم يعد «الانتحار» فعلًا ختاميًا يتوّج عطبًا روحيًا غير ملموس ولا ملاحظًا إلّا من ذوي البصائر الحادّة والنفوس المنفتحة على العالم والمزوّدة بآلات إنسانية عميقة لقياس الخلال الطارئة على الوجود الإنساني في تشكيلاته الحديثة.

هذه الهشاشة تحيا وتستمرّ كفشل سياسي واقتصادي وتعليمي وثقافي يعيد إنتاج ذوات كارهة لوجودها وغير قادرة على تحمّله إلّا كعار حضاري يجب ستره بشتّى الأقنعة الثقافية والاجتماعية المستعارة من الآخرين بغير استئذان فتساهم هي أيضًا في خلق فرنكشتاين مرعب، ومسخ لم يكن لكافكا نفسه إلّا ليرتاع منه. حتّى الإبداع سيكون مهاجرًا بعيدًا سرعان ما يشعر بغربته لما يلاقيه من نبذ لامبال وهجران حاجب، فيتوارى حزينا على عدم قدرته على التدخّل. هنا تتدخّل الهجرة أو كما هي معروفة في الجزائر وتونس والمغرب بكلمة «الحرقة» وهي أبرز مثال عن الانتشال الذي نتحدّث عنه هنا.

إنّها طابع أصيل آخر يزيد من طرافة المشهد العام، فهي مثلًا ليست مكافئة لرحلات المغامرين والتجار وأصحاب الطموحات الذين تسابقوا على أمريكا بعد اكتشاف كنوز الذهب أو ما يعرف «بحمّى الذّهب» في سان فرانسيسكو، وليست حملات استعبادية كالتي أجراها البرتغاليون والهولنديون… في أفريقيا منذ منتضف القرن الخامس عشر. لماذا اخترت هذين المثالين للمقارنة مع الهجرة «الحرقة»؟ لأنّهما يمثّلان واقعين متقابلين يخفي كلّ واحد منهما أسبابًا مختلفة عن الثاني تحمل أفرادًا كثيرين على الانتقال أو الهجرة من أوطانهم، في حالة أمريكا كان المعروض مغريًا والفرصة غير مسبوقة، ليس فقط للإثراء، ولكن لإعادة صناعة ذات وهوية جديدة في مكان أنت غير مقيّد فيه بتاريخ اجتماعي محدّد. حتّى القانون لم يكن بتلك الصرامة، ولم تكن هناك وسائل كافية لفرضه. في الطرف المقابل نجد حملات الاستعباد التي كان يقوم بها الأوربيّون ضدّ الأفارقة، هنا لا توجد أي فرصة أو طموح يراد تحقيقه بل حتّى المغادرة لم تكن خيارًا، بل هو جبر، أو بيان ختامي ينهي عهد الحرية والحياة الكريمة. «الحرقة» التي نتحدّث عنها ليست مشابهة لأي من الحالتين مع أنّها تتقاسم معان مشتركة مع كليهما.

«الحرقة» أو الهجرة غير الشرعية لم تعد مجرّد خيار يتّخذه فرد ما في لحظة يأس. أصبحت الحرقة نداء داخليّا يتغذّى عليه وعي شعب كامل. في طبقة معيّنة من التحليل تصبح الحرقة حقلًا دلاليًا واجتماعيًا ينتج إدراكًا متخيّلًا عن الآخر المتاخم لحدودنا. فيصبح الآخر مركزًا جاذبًا للحياة، بل مصدرًا لها فهو المنتج لقيمها والمعرّف لمعانيها.
منذ حملة نابوليون على مصر وبداية عصر النهضة العربية لم يعد من الممكن فصل الوعي العربي لذاته عن الرؤى الغربية التي يستعيرها في عملية التشخيص. دائمًا كانت هناك فكرة معيّنة آتية من المركز تكون كامنة في رؤية المثقّف أو الفنّان، ثمّ أتى الاستعمار ليمثّل ذروة التداخل. وبعد انتهاء هذا العهد وظهور الاستقلال صار ادّعاء الانفكاك من التداخل – الباقي على حاله في الاستعلاء والهيمنة من طرف والطموح الخافت والمخدوع من الطرف الآخر – مجرّد خطاب رسمي تقدّمه «الدولة الأمّة» لتبرير بقائها.
يستدعي منّا ذكر مرحلة الاستعمار التذكير أنّها كانت تحمل إدانة اخلاقية وحضارية للدول الكولونيالية في مقابل إحراج حضاري مقابل بالنسبة للشعوب المستعمَرة وخطر وجودي يهدّد بقاءها، ولكن مع بقاء معنى واحد للوطن في نظرة أفراد الشعوب، أي أنّه كان هناك استمرار مستقبلي مستقرّ في خيال الفرد والمجتمع داخل وطن محدّد على أنّه الإطار الجغرافي – على الأقلّ – للبقاء. بقدر ما كان الفرد مهدّدًا في وجوده بقدر ما كان هذا الخيال التاريخي للمستقبل ثابتًا في أعماقه، وهو الخيال نفسه الذي سرى طيلة عقود في نضاله. هذه هي الروح التي نلامسها بوضوح عندما نقرأ النشيد الوطني الجزائري مثلًا، بوصف الجزائر الملحمة الثورية التي سكنت في وجدان أجيال من العرب والأفارقة:

فاتّخذنا رنّة البرود وزنا .. وعزفنا نغمة الرشّاش لحنا

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

إنّها كتابة مبدعة في وسيلتها وغالية في ثمنها، أنشأت رواية للحفاظ على «مصيرها» وصدّقتها وعاشتها بتضحيات هائلة لا تخطئها عين مكابر أو جاحد. وجاء الشعار المحرّك الذي يعبّر عن الأمّة والهدف من كلّ هذا في ختام كلّ مقطع من النشيد: «وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر».

خاصّة في المقطع الأخير من النشيد، إذ يظهر هذا البعد الزمني المستقبلي الذي يراهن على وجود أجيال قادمة ستسمع هذا النّداء:

صرخة الأوطان من ساح الفدا .. اسمعوها واستجيبوا للندا

واكتبوها بدماء الشهدا .. واقرؤوها لبني الجيل غدا
إذًا فمعنى الوطن كان واحدا وإن كان لا يعني للجميع نفس الشيء بنفس القدر. وهنا نرجع لتعبير «تقرير المصير» الذي يعني وجود مستقبل موحّد يحكمنا. إنّها عبارة تضاهي «القدر» في استعمال أرسطو والذي جعله ليس فقط شرطًا لقيام حكم المدينة، بل هو عنصر في تعريف الإنسان.
إذا انتقلنا في مقارنتنا من المشهد الثوري في الاستعمار إلى واقع «الحرقة» سنجد هذا المفهوم بالذّات «الوطن» تغيّر من واقع عيني، محدّد، إلى معنى احتمالي، ممكن. من شيء ثابت يُناضل من أجله إلى مفقود يُبحث عنه في كلّ مكان إلّا في الوطن «الذي ولدنا داخل حدوده». تغيّر – بالتبعية – معنى الانتماء للوطن. لا يمكن للخطابات الحماسية أن تحيد بنا عن ملاحظة الانتقال الجذري المرسوم بإكراهات سلطوية صلبة غير مبالية عملت في كلّ لحظاتها على حفر مسارات فرعية لتصريف (مواطنيها) في الوقت الذي كانت تعمل فيه مكيناتها على إخراج ما تجود به أراضيها.

هناك رعب متستّر في الموضوع إنّه العجز الوجودي أو العدم الذي يهدّدنا، يلمع بريق أسنانه مستهزئا خلف ركام من الخطب السياسية الفارغة التي تريد إلقاءنا إلى قعر لا تعرف هي نفسها غوره الحقيقي. لماذا يسمنا هذا الوضع بالعجز الأخلاقي والفكري والعلمي.. باختصار بالعجز عن التقدير كما يعبّر عنه نيتشه؟

وجود شعب ما حاليًا، ليس ممكنًا إلّا بشكل علائقي. أي أنّه وجود خاصّ متكامل في ذاته، له محدّدات حيوية قابلة للتغيّر حسب الزّمن، وفي نفس الوقت له وجود مشترك مع الآخرين ضمن قيم إنسانية. فقط بتظافر هذين المعنيين يصلح انتماؤنا للإنسانية. على هذه الأرضية نقيم حديثنا عن التهديد الوجودي لنا كشعب؛ لأنّ الحياة المؤجّلة (بعد الهجرة) تفصل الكوجيطو الخاصّ بنا (الأنا أفكّر) عن البعد الحاضر، والحاضر ليس معيّنا بحدّ زمني معلوم يكون فارقًا بين  «القبل والبعد»، وإنّما هو الزمن المستمرّ ما دمنا لم ندخل الإطار الذي نحيا فيه (أوروبا أو أمريكا أو…) في هذه الحالة لا يساوي الحاضر شيئًا أكثر من صالة انتظار مملّة ومحفّزة لشعور عميق بالعبث. وإذا كان هذا الوجود مؤقّتا ضمن حياة هي أصلًا زائلة بالضّرورة، فلن يمتلك أيّ إغراء يثير شغفًا في أنفسنا ويجعلها تتحمّل عبء التقدير لذاتها.

في الأخير ماذا يعني بالضّبط «الوطن المستحيل»؟ سنرجئ الإجابة عن هذا السؤال إلى فرصة مقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد