حينما التفت العالم إلى الجرائم التي يرتكبها تنظيم «داعش» الإرهابي في كل من العراق وسوريا، والذي فاق تطرفه كافة المستويات المقبولة وغير المقبولة، كانت الولايات المتحدة الأميركية تركز جهودها لمحاربة التنظيم المتطرف من خلال منع حصوله على التمويل والموارد المالية التي يحتاجها، وكان ذلك قبل أن تكتشف مدى صعوبة هذه المهمة، وتلجأ لاحقًا إلى مواجهته عسكريًّا بالتحالف مع عدد من الدول تحت قيادتها.

في البدء، ظنّت الإدارة الأميركية أنها تملك القدرات الضرورية لمنع تدفق الأموال إلى تنظيم «داعش»، مثلما فعلت وتفعل مع كل الجماعات التي تدور في فلك تنظيم القاعدة، إلا أنها وجدت فروقات بين نماذج تمويل كل تلك الجماعات، وبين نماذج التمويل التي يستخدمها «داعش» في الحصول على ما يحتاجه من موارد مالية.

ورغم أن مكافحة تمويل «داعش» تعتبر عنصرًا مهمًا لإنجاح الحملة الدولية ضده، إلا أنها تنهار تدريجيًّا باستمرار حصول التنظيم على الموارد المالية اللازمة له، وذلك من خلال العائدات التي يحققها من تهريب النفط، والهبات والمنح التي يقدمها مانحون أثرياء في دول الخليج وغيرها، والأموال التي يتحصل عليها عن طريق الفدية المدفوعة مقابل تحرير المخطوفين، فضلًا عن تمكّن التنظيم المتطرف من الوصول إلى السوق السوداء لبيع الآثار والتحف الأثرية المنهوبة، وغير ذلك الكثير أيضًا.

ما أود قوله هو أن هذه الجهود غير كافية ولن تنجح في تفكيك التنظيم بصورة تامة أو محاربته؛ حيث إن «داعش» كان مكتفيًا ذاتيًّا من الناحية المالية منذ نشأته كجماعة إرهابية، لانخراطه في مشاريع إجرامية ناجحة تدّر عليه أموالًا طائلة، مثل الابتزاز ونهب الآثار وسرقة المواشي، ما جعله من البداية لا يعتمد على دول مانحة أو مانحين كبار أو استغلال الهبات الخيرية، وكان ذلك قبل أن يشرع التنظيم في الدخول لإدارة ما يسمى بدولة الخلافة.

وهناك تقديرات بأن تنظيم «داعش» يجني أرباحًا بقيمة مليوني دولار من مبيعات النفط في اليوم، وأكثر من 50 مليون دولار في العام من مبالغ الفدية المدفوعة مقابل تحرير المخطوفين، وبضعة ملايين يقدمها المانحون الأثرياء كل عام، وعدة ملايين أخرى من الدولارات كل شهر من عمليات الابتزاز.

وفي حين أن هناك شبه اتفاق دولي على فرض عقوبات مالية على أي جهة تقوم بالمتاجرة بالنفط الذي يسرقه «داعش» -وهذا لم يحدث- ومحاولة وضع حدٍّ لدفع الفدية مقابل تحرير المخطوفين، واستهداف شبكات المانحين الخارجية لفرض عقوبات عليها، وفرض عقوبات على قادة التنظيم ومسهّلي أعماله. نجد في المقابل، أن هناك منظمات إنسانية -تعمل بمنأى عن ذلك- تقوم بمشاريع تطوعية لإطلاق بعض «سبايا» تنظيم داعش مقابل مبالغ مالية ضخمة يجمعونها من متبرعين في الخارج، الأمر الذي يساهم في تقوية التنظيم المتطرف ماليًّا!!

وهذا ما يشير إلى أن الجهود الدولية في محاربة تنظيم «داعش» ماليًّا تعمل بطريقة ما ضد بعضها البعض أو ضد أهداف المنظمات الإنسانية على المستوى الخارجي، لذا يجب محاربة «داعش» ماليًّا على المستوى المحلي والداخلي، خصوصًا بعدما اتضح أن المشاريع الإجرامية والسرقة والابتزاز التي يقوم بها داخل الأراضي التي تخضع لسيطرته هي مصدر التمويل الأهم والأكبر والأبقى لذلك التنظيم الإرهابي.

إذن، فمن الضروري أن يتم تركيز الجهود في الوقت الحالي على هذه المجالات، الأمر الذي سيؤدي عاجلًا إلى إفقار وحرمان «داعش» فعليًّا من الأموال التي يحتاج إليها للحفاظ على دولته المزعومة وإدارتها. أما في المستقبل، فإن هذا التركيز سيمكّن الحكومة العراقية من إنفاذ القانون وسيادته والتحقيق في مشاريع «داعش» الإجرامية وملاحقته قضائيًّا.

ليس هذا فحسب، بل يجب أيضًا ابتكار أدوات جديدة لمواجهة التهديد المالي غير الشرعي لتنظيم «داعش» حاليًا، وذلك باستهداف الوسطاء والتجار وشركات النقل وأي شخص يساعد على إنتاج النفط الذي يسرقه «داعش» أو تصفيته أو نقله أو بيعه، وكذلك المتعاملون في السوق السوداء لتجارة الآثار التي نهبها التنظيم، وإذا نجح هذا الأمر فإن «داعش» سيحاول تعويض خسائره، ما يجبره على اللجوء إلى المانحين الأثرياء في دول الخليج وغيرها، وهؤلاء لن يتعاونون معه بسهولة لما سيواجهونه من صعوبات في إرسال المنح والهبات، بسبب الإجراءات المشددة -نوعًا ما- المتبعة في تتبع وتعقب الأموال والتحويلات المرسلة للجماعات الإرهابية.

ورغم قناعتي الشخصية بأنه لا يوجد حل سحري لمنع تمويل «داعش»، ناهيك عن هزيمة التنظيم بأكمله، إلا أنه من الواجب الاستعداد من الآن بوضع الإستراتيجيات اللازمة للتعامل مع تهديداته المالية المستقبلية، والعمل على حرمانه من قدرته على تخزين الأموال ونقلها والوصول إليها ضمن النظام المالي الدولي، جنبًا إلى جنب مع ما ذكرته آنفًا بخصوص الوضع محليًّا، ما يؤدي تدريجيًّا إلى النجاح في إضعاف تدفقات الأموال لتنظيم «داعش» وإفقاره بقدر كبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد