مرحبًا بك في تلك البقعة من العالم التي يُرجي فيها الود مع أنه أمر من الله، ولا يَقدِر فيها على الصفح إلا قلة قليلة من أهلها مع أنه قيل فيهم ولهم. اختُصرت فيها المشاعر في حرفين هما الحاء والباء رغم أن لغة أهلها قد قسمتها إلى 14 منزلة. أهمل ساكنوها قدر اللغة رغم أن لها من المنازل عند الله وأهل العلوم ما لا يُمكن لغيرها، فاستبدلوا بها حروفًا أقل ما يقال عنها إنها مفجعة مجحفة لقدر العربية… يكتئبوون بصورة ويفرحون بأغنية، ولا يلتفتون للحرام قدر التفاتهم للعيب، وإنما يشغلهم قولهم: أنا قبل الكل، وهذا غرور.

شبابهم الذين هم عماد المستقبل، ومن سيحملون هم الأمة والمجتمع والأسرة وأنفسهم، ومن سيؤخذ عنهم العلم في السنوات المقبلة، يجتمعون للحفلات والسهرات ولا يجتمعون للصلوات، يخافون من التبليغ مهابة أن يتعرضوا للنقد من أقرانهم. في قوانينهم: من ساعدني فهو حبيب ومن خالفني الرأي فهو عدو حسود، الاتهامات لديهم أسهل من كيف حالك؟ والفضائح أكثر من حبات الشعير، يصيحون بـ«التريند» ويسبون أهل العلم لا لشيء وإنما لأنهم قالوا الحق الذي لا يقوون هم على البوح به، لا يرى أحدهم كبير شأنٍ إلا نفسه مهما دنا مقامه وقل إسهامُه، لا يهابون الله قدر ما يهابون الكاميرات، بل لا يهابون المرض أو أن تُقتل نفس بالتقصير قدر الخوف من دفع الغرامة. كل هذا وأكثر رغم أن الكورونا ما زال يلعب دورًا حساسًا بين أظهرنا، فكيف ستقنع هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (العلق 14) ، أو بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد 8).

ولنصل بالأمر لدرجة أقرب من الواقعية:

فالاهتمام عندهم عيب، والسؤال ضعف، فهم أنفسهم من يهربون من المسوؤليات تحت مسمى fear of commitments.

من يشكو حالاً لصديقه فهو في نظرهم seeking attention.

المعاكسات والمضايقات الفعلية والكلامية أدخلوها تحت بند: flirt for fun.

فكل منهم يقول يلا يا نفسي، لا يهم مع حاجته لا أهل ولا صحبة ولا حتى جبر الخواطر، وكل فعل يفعله يجب أن يكون لمصلحة أو ردًّا لمنفعة.

مصادقة الجنسين عندهم والتي نهى الله تعالى عنها في القرآن الكريم أصبحت روشنة، ومسمى رجل أصبح يُقَدَّر بعدد ما يعرف الشاب من فتيات، والأنوثة لديهم بقدر ما تظهر البنت من جمالها التركيب. احتلوا «تيك توك» بقنوات الطبخ والعلاقات وأسرار البيوت، ولا مجال للعلم ونشره ولا بيان للتأثير في الدنيا وتغيير العالم إلا بين ثُلةٍ منهم يسمونهم دحيحة وكفرة الدُفعات.

الغريب في الأمر، والله شهيد بيننا وبعده الزمن وهذا المقال إن نُشر، أن من يفعلون ذلك من الشباب الآن هم من سيعانون قريبًا جدًّا من تبعاته، وكل شيء قد ابتدعوه أو سايروه أو ارتضوه في هذا المجتمع سيكون الخنجر المُدمي في نفوس كل منهم بعد عدة سنوات.

ومثال على اللعب بالكلمات التي تعكس ما عليه شباب اليوم في المجتمعات العربية: النص التالي:

أهلك لا يعرفون شيئًا عن حجم الصعوبات التي تمر بها في عملك.

عملك لا يهمه ظروف حياتك وبيتك.

أصدقاؤك القدامى لن يفهموا حجم المسؤوليات الجديدة التي تقع على عاتقك.

وأصدقاؤك الجدد لا يعلمون شيئًا عن كم الخذلان الذي قد رأيته في حياتك.

حتى شريك حياتك لا ينتظر إلا الحب والدعم منك.

فباختصار لا أحد سيشعر بك ولن يقويك إلا نفسك.

فكن رحيماً بها ولا تظلمها.

كلام جميل أخاذ، اليس كذلك؟ لكن دعني أوضح لك قليلًا من تلك الكلمات والجمل والمقصد الحقيقي منها.

فلقد أنهيت النص ولم تر كلمة واحدة تذكر فضل الله تعالى، لذلك فهذا النص باطل من الأساس، لكن لنجنب تلك النقطة ونكمل.

من المنطلق نفسه: أنت لا تعرف شيئاً عن تعب أهلك، ولا مشاغل أصدقائك، ولا معاناة زملائك في العمل، وحتى شريك حياتك وكل ما يحاول أن يفعل من أجل أن يلتم شملكما ولا يشعر في نفسه بالتقصير.

كل إنسان لديه حكاية طويلة وطريق صعب لا يعرف عنه أحد أي شيء إلا الله مهما حاول أن يعبر.

ولذلك فأكبر مواساة في الدُنيا هي قوله تعالى:  ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ وقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾.

للأسف مقولات كتلك التي أتت في النص الأول تُظهر الإنسان كأنه محور الكون ولا قيمة لمن حوله من بشر، لا يرى سوى ذاته ولا يقدر إلا نفسه، فيدخل بها في زاوية من التفكير السلبي والوحدة.

والأولى أن نتكاتف ونراعي مشاعر أحدنا الآخر، ونشفق على غيرنا ليعم الخير، لا تظلم نفسك، وأفضل مواساة لنفسك هي جبر خاطر غيرك فتُفرح وتفرَح، لا تقضوا على ما بقي في المجتمع من أسس وقيم طيبة بتشبيهها بمبادئ أجنبية دخيلة لا تستخدم في محلها، فحتى الأجانب لديهم مسؤوليات ومشاكل، قف للحق قويًّا وارفض محو السمات الطيبة وتعظيم النفس في غير موضعها، فربما استطعنا في هذه الأيام الصعاب أن نأخذ العظة وأن نسند بعضنا بعضًا لتمر بنا وعلينا سلفة الأيام ببهجة ترضينا، لأنه ومهما حاولنا فكلها بما فيها وبمن فيها «متاع الغرور».

دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد