نادي عبد الرحمن الحاج صالح نموذجا

يشهد العالم في الآونة الأخيرة تطورات ملحوظة ومتباينة، مما عجل بضرورة اهتمام الباحثين والمفكرين بمسببات هذه التحولات، هادفين إلى صياغة حلول وجيهة لتحسين ظروفها، والتقليل من مخاطرها. بعدما انعكس سلبًا على المؤسسات الرسمية للدول من جهة، والأفراد والمجتمعات من جهة أخرى، فقد أصبحت الجامعة الجزائرية مثلًا في قلب التحولات، فتغير الأنظمة التعليمية وتغير سيكولوجية المجتمعات ساهما في غياب تواصل حقيقي بين الطالب، وأستاذه، والمؤسسة التي يتمدرس بها، والتي تعتبر أزمة جلية في مؤسستنا التربوية بحميع أطورها.

وبناء عليه، وجب على النخب العلمية والإطارات الجامعية والتعليمية العمل بجد من أجل الخروج بحلول وآليات تعليمية جديدة تستطيع من خلالها تطوير المنظومة التربوية والتعليمية، بهدف بناء شخصية الطالب أو التلميذ؛ مما يساهم في تحريك عملية التواصل، ومن بين هذه الحلول فن المناظرة الذي يؤسس للعديد من المهارات التفاعلية والأفكار الجدية التي تدفع بالجامعة، أو المؤسسات التعليمية إلى تحسين جودة البحث العلمي من جهة، وتحقيق تنمية فكرية إنسانية هادفة.

يوضح المفكر الإقتصادي «أمرتيا سن» صاحب السبق المعرفي في موضوع التنمية الإنسانية، ودراسته الميدانية والتحليلية لاقتصاديات الدول النامية، الرامية لتحسين المورد البشري من خلال حركيته التي تؤدي أساسًا إلى تنمية اقتصادية تساهم في العملية التنموية، وتأكيد أن العمل الحركي والاتصالي المساهم في خيار العدالة الاجتماعية التي لا تقل أهمية عن باقي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، بمعنى ضرورة وجود إرادة من أجل تفعيل العمل التشاركي في مختلف المجالات والميادين.

وفي هذا الإطار ساهم نادٍ أدبي بجامعة تيارت ملحقة قصر الشلالة، والذي يحمل أحد أسماء علماء الجزائر في اللسانيات، والذي دافع بقوة عن اللغة العربية في المحافل الدولية والوطنية، إنه البروفسور عبد الرحمن الحاج صالح الذي ترأس المجمع الجزائري للغة العربية التابع لرئاسة الجمهورية بموجب قانون رقم 86-10، والذي ساهم في إطلاق مشروعه الثقافي والعلمي تحت لواء مؤسسة أطلق عليها اسم «الهيئة العليا للذخيرة العربية»، في حين لم يبق طموحه حبيس الأوراق والمجلات، بل ساهم بطرحه سنة 1988 بإنشاء جوجل عربي يهتم بالدراسات اللغوية وفق المتطلبات الحديثة.

فقد أطلق نادي عبد الرحمن الحاج صالح مشروع فن المناظرة والمحاكاة، بالملحقة الجامعية قصر الشلالة تيارت، وسط تفاعل كبير من الطلبة والطالبات، والذي ترأسه الأستاذ الدكتور العبادي عبد الحق من الجامعة نفسها بوصفه رئيس التحكيم، بعد مبادرته الرامية لتحسين الرصيد اللغوي، وساهم الطالب دموش مصطفى مدربًا في فن المناظرة، وهو يحضر لشهادة الدكتوراه علوم سياسية بجامعة وهران 02، في حين ساهم كل من الأستاذين بجامعة معسكر فتاح كمال، وخالدي عبد القادر في عضوية مجلس التحكيم؛ نظرًا إلى الخبرة التي يمتلكانها.

استطاع نادي عبد الرحمن الحاج صالح أن يثبت نفسه في أوساط الطلبة والأساتذة والإداريين، نظرًا إلى السمعة الجيدة والسلوك الحسن الذي يتمتع به أعضاء هذا النادي، مع اتباع استراتجية واضحة المعالم هي خدمة العلم والمعرفة، وتعزيز فن المناظرة في الوسط الجامعي.

لذا يعمل نادي عبد الرحمن الحاج صالح على مشاريع بحثية ونشاطات علمية من خلال عقد دورات تدريبية في فن المناظرة؛ لتعزيز الحوار، وعقد بطولات وطنية شبيهة لما تم في هذا النادي الهادف لترسيخ سبل التناظر، وفق الأسس العلمية والفكرية والمرتكزات والقيمة الإنسانية، مثل الاحترام، وتبني أفكار الآخر بصدر رحب. فيعتبر نادي عبد الرحمن الحاج صالح من النوادي العلمية والأدبية الصاعدة نحو الريادة؛ لما ننتظره منهم في بناء شخصية الطالب، ليكون قائد المستقبل بفكره المنفتح، وثقافته الواسعة؛ ليشهد بعدها البحث العلمي تطورًا ونماءً.

من بين ما يفتخر به نادي عبد الرحمن الحاج صالح هو الدورة التدريبية حول فن المناظرة والمحاكاة التي كانت في الأسبوع الأول من شهر يناير (كانون الثاني) 2019، والمتبوعة بمنافسة أربع فرق على طول هذه الدورة، والتي نجح فيها فريق عبد الحميد بن باديس المتكون من طلبة تخصص الأدب العربي، الذين تحصلوا على المرتبة الأولى والفوز بالنهائي على فريق المفكر مالك بن نبي، بعد منافستهما على قضية السيادة اللغوية في الجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد