كنت صغيرًا عندما نزلت أختي باكية صارخة من سطح منزلنا، نزلت تصرخ من أثر لدغة لدغها إياها أحد الدبابير، حيث كان هناك عش كبير للدبابير على سطح المنزل.

 

لما رأيت أختي تصرخ باكية أخذتني الحميّة، وهرولت مسرعا إلى أعلى لآخذ بالثأر، أمسكت في يدي عصا، وأخذت أحطم في العش، وأنا أصيح صيحات تبعث على الإقدام والتحدي.

 

هاجت الدبابير وانقضت عليّ بجموعها الكبيرة، وأخذت تلدغني لدغة بعد لدغة، وأكثرت اللدغ في رأسي ورقبتي. نزلت باكيًا صارخا، لكن أكثر بكاء من أختي وكذلك أكثر صراخًا.

 

كان خطئي الكبير أني صعدت إلى عش الدبابير وأنا عاري الرأس، فمكّنتهم مني من أول المواجهة، ولم تحمني منهم حماستي الزائدة ولا صرخاتي المدوية.

 

بعد سنين عديدة أخطأ الإخوان نفس خطئي، بل إن خطأهم كان أشد، وذلك لأني حاربت الدبابير من خارج عشهم وأردت أن أهدمه عليهم، أما الإخوان فإنهم دخلوا إلى داخل العش نفسه، وكانوا مع ذلك – على نفس سذاجتي – عراة، لا يحميهم شيء من اللدغ.

 

دخل الإخوان إلى عش الحكم، وهو عش دبابير منذ انقلاب العسكر على الملكية في عام 1952م، دخلوا إلى هذا العش وهم عرايا من كل شيء، عرايا من الفهم لطبيعة هذه الدبابير، وعرايا من أي قوة تحميهم من لدغاتها، وعرايا حتى من عصا يهشون بها عليها مثل عصاي التي هششت بها عليها من قبل.
لكن السؤال الذي يبقى معلقا، وتبقى حول إجابته كثير من الرؤى والتأويلات هو (هل دخل الإخوان إلى عش الدبابير برغبتهم، أم أنهم أُجبروا على ذلك ودُفعوا إليه دفعا).

 

ويبقى رأيي في هذه المسألة كما هو؛ الإخوان دفعوا إلى ذلك دفعًا، ولم يكن في مخططهم أن يتقدموا للحكم منفردين، إنما كان مرادهم وتخطيطهم أن يشاركوا في حكومة وطنية ائتلافية، وأن يتوافقوا مع بقية الطيف السياسي الوطني على رئيس توافقي لا يكون من الإخوان، على أن يدعمه الجميع أمام المحاولات لإنجاح أحد رموز النظام الساقط في يناير، وكل محاولات الإخوان في هذا الصدد باءت بالفشل. ثم كان تقدم أكثر من مرشح إسلامي للرئاسة هو آخر الأسباب التي دفعتهم دفعا نهائيا للتقدم، فقد بات واضحًا أن الرئاسة ذاهبة إلى مرشح إسلامي أو إلى مرشح للنظام السابق، وهنا قرر الإخوان – ولهم كل الحق – أنهم الأولى والأحق والأقدر.

 
بعد دخول الإخوان إلى الحكم لعبت بهم الدوامة القدرية لعبتها، وكان حالهم أشبه بمن يحاول أن يسبح وهو في قلب دوامة عاتية، وكلما مرَّ الوقت زاد اتساع الدوامة وزادت قوتها وزاد شدها له إلى أعماقها، وهو يحاول يائسا أن ينجو منها، ولكن هيهات.

 

على طول عمر الإخوان كانت علاقتهم بالسياسة والحكم علاقة نظرية، ولم يكن هذا عيبًا فيهم، ولكنه كان المتاح في ظل أنظمة ديكتاتورية تسلطية لا تسمح بأي مساحة من تداول السلطة، أو حتى المشاركة فيها.

 

ولهذا كان الإخوان يتقدمون إلى الانتخابات البرلمانية، وأكبر أهدافهم من ذلك هو الاقتراب العملي من دهاليز الحكم والسلطة، حتى يصبغوا معرفتهم النظرية السياسية بصبغة عملية.

 

ولكن هذا الأمر لم يحقق لهم الهدف كما أرادوا، لأن الحياة البرلمانية كانت حياة مظهرية لا أكثر، ولم تكن حياة برلمانية حقيقية فيها المتابعة والمساءلة والمحاسبة والحصانة كما ينبغي.

 

دخل الإخوان إلى عش الدبابير عرايا من أي معرفة عملية حقيقية، وأؤكد على أن هذا لم يكن عيبا فيهم، بقدر ما كان واقعًا فُرض عليهم.

 

ودخل الإخوان مع ذلك عرايا من أي سلاح للمواجهة، وقد كان سلاحهم الوحيد هو سلاح الحشد الشعبي العام كما كان في ثورة يناير، والذي استطاع العسكر أن يقضوا عليه، عندما دسوا الخلافات بين أطياف العمل الثوري فكانت الخلافات والصراعات، حتى اصطف أغلب أبناء ثورة يناير في صف العسكر في معركتهم مع الإخوان.

 

ودخل الإخوان إلى عش الدبابير عرايا من أي قوة إقليمية داعمة وساندة، ولم يكن حلف تركيا وقطر بالقوة التي تستطيع أن توازي اجتماعًا إقليميا وعالميا عاما على دعم العسكر، والوقوف بقوة ضد الإخوان ومشروعهم الإصلاحي والإسلامي.

 

دخل الإخوان إلى العش مدفوعين أو متحمسين، ولم يكن أمامهم بأي حال من الأحوال أي فرصة للتعايش مع الدبابير على حالها، فكانت المواجهة الحتمية، وكان الصراع العنيف، عرايا في مواجهة جموع من الدبابير، ثم كانت النتيجة المنطقية الحتمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد