لكل رواية عقدة، وعقدة هذه الرواية هي البحث. لكن السؤال الذي يحب أن يُطرَح هو: عن أي شيء نبحث في هذه الرواية؟ هل نحن نبحث عن سر اختفاء الروائي عصام الشرقاوي؟ أم عصام يبحث عما دفع عفاف إلى الانتحار؟ هل نحن نبحث عمن قتل يناير؟ أم كل ما حدث كان سرابًا؟ هل نبحث عن الزمن الحقيقي لرواية سيطر عليها خلل الأزمنة؟ أم أننا نبحث عن أنفسنا بين أبطال العراب؟

لنبحث عما قتل عفاف

هل انتحرت عفاف؟ أم قُتِلت من يوم أول اغتصاب؟ نسيت أن أخبرك، عفاف هي بطلة هذه الرواية، شخصية لا تحتاج أن أصفها لك كثيرًا، مجرد فتاة مصرية عادية الأحلام، لكن نهايتها لم تكن عادية على الإطلاق. فقد انتحرت، لكن قبل انتحارها، وعلى الجدار المجاور لقضبان القطار، كتبت اللغز الذي حير عصام طوال الرواية.

هي فتاة انتهكت قبل أن تبلغ، وتبادل على اغتصابها حماصة ورجاله بعد مقتل حبيبها في التحرير، وكل ذلك حدث بواسطة السنجة. فتاة سيئة الحظ، بلغت وهي تلعب السيجة مع الأطفال. فأغرقت دماء بلوغها السيجة، وألصق بها أبوها تهمة العار. فتاة امتزجت بالقنوط، وقلة الحيلة، وضيق الحال. ومن خلال السرنجة كانت صديقتها مروة تحاول الانتحار. هي فتاة، أحبت حبًا صادقًا لمرة واحدة في حياة بشعة كريهة، ترك لها حبيبها سبحة، هي آخر ما بقيت منه بعد ما ذهب إلى الميدان. ماذا دفعها إلى الانتحار، انتهاك السنجة؟ عار السيجة؟ قنوط السرنجة؟ أم الحب الذي مات وبقى منه سبحة؟

لنفتش عن بذرة يناير

في هذه الرواية تصوير لأبشع أشكال الفقر والحرمان. فدحديرة الشناوي هي مستنقع من البؤس والجهل. حياة قذرة صورها لنا العراب بروح امتلأت بالمرارة، وقلب تشبع باليأس.

في النصف الأول من الرواية ستجد بطانة جيدة من الفقر والهباب والطين الذين يحيا فيهم هذا الشعب، ومع تجاوز هذا الجزء، ستجد أن كل من في هذه الدحديرة يدمن. فإبراهيم أبو غصيبة يدمن الحياة في الحلم، عباس الدلجموني يعشق الترامادول الصيني، وجمال الفقي يصل إلى نشوته من خلال إغراق الجراء في الماء. مصطفى المزين يحيا ليقدس الموت، وعلاء أبو فرحة أدمن التبول على الجدار. بداخل كل هؤلاء بذرة يناير، جزء منهم يرغب في قول لا. أما الوحيد الذي صرخ بالفعل لا، كان حسين عبد الرحمن وقد كان القبر بصراخه أولى.

لنبحث عن عصام

عصام هو ذلك الكاتب الذي قد غرق بين أبطاله، وعندما أدرك ما فيهم من بؤس وقهر، قرر الاختفاء. عصام هو الصورة المهزومة من العراب. لا أدري، كيف كان أحمد خالد توفيق يحيا بكل هذا الكم من التعب والألم؟ أو كيف كان يتحمل كل هذا القدر من الجهل والغباء؟ هو عصام، لكنه لم يهرب، ظل حتى النهاية يكتب ويعري ويعلم الشباب. عصام يكتب بخلل في الأزمنة وغرائبية شديدة، وهنا تكمن قوة العراب، فلم تخرج منه الرواية مفتعلة، بل بالفعل ستضل وسط أبطال هذه الرواية. الذي يرى كل منهم عفاف كما يريد، ويسقط عليها ما يشاء من أقاويل. شخصيات تدمن ما تشاء، وتختلط مع الأحداث، فتجد إبراهيم يموت قبل الثورة، لكنه يعاصر اغتصاب عفاف، شخصيات صنعها عصام من خياله، لكن من تفنن في رسم هذا الخيال هو العراب.

لنبحث عن سنجة يناير

هناك شيء جميل، ظفروا به لكنه يوشك على أن يزول

هذه الفرصة لن تتكرر إلا بعد مائة عام

ماتت يناير كما تنبأ العراب. العراب عراف، هي جملة قديمة آمن بها محبوه من بعد يوتوبيا، وفي السنجة أيضًا، كان العراب عرافًا بامتياز. تنبأ بفشل الثورة وضياع الأحلام. ماتت يناير لتضع النهاية أمام كل ما تمنته عفاف، وكل ما رغب فيه حسين. للأسف، لم تُوجَه السنجة فقط لعفاف. بل وُجِهت إلى جيل كامل من الشباب، سيعتاد الفقر وعدم الأمان. جيل سيدمن مثل سكان الدحديرة، وستتحول دحديرة الشناوي إلى حال وطن.

لنبحث عن نهاية

قبل أن نترحم على العراب، رحم الله يناير العظيمة التي فجرت جبالا من القهر والذل واليأس تراكمت لسنوات، وفتحت الطريق أمام الآمال والأحلام. رحمة الله عليها وعلى هذا الجيل من الشباب، الذي بموتها سُرِقت أحلامه، وتحطمت رغبته في الحياة.

وأخيرًا، في ذكرى مرور شهرين على وفاة العراب، يا مُعلم، في عالمك أينما كنت الآن، رحمة الله عليك يا من ناصرت هذا الجيل حتى الممات. سلام وقهر لفراقك ودموع لم تجف حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد