أردت التحدث حول ما رأيته واستنتجته في السنتين الأخيرتين، فمن دون مقدمات ولا إطالة سأدخل صلب الموضوع مباشرة لأتحدث عن نداءات وتساؤلات مجتمعنا اليوم التي تقول: أين هي النخبة التي يمكنها قيادة بلدنا؟ وهل يحتوي مجتمعنا حقًا على النخب القادرة على قيادته وإخراجه من مشاكله ومتاهاته الحالية؟

حسنًا، لو ألقينا نظرة على واقع مجتمعنا اليوم سنلاحظ وجود ثلاثة أصناف من النخب:

الصنف الأول: هو الذي يحاول نسب نفسه إلى النخب وهو بعيد كل البعد عنهم، في الغالب تجده يمتاز بالنرجسية وبلسان استفزازي سليط، ينتقد أي شيء ويعترض على كل شيء من دون تقديم حلول بديلة، وطريقته في الكلام تلك فقط ليبرز نفسه للعامة على أنه شخص مثقف ونخبوي ويحب البلاد، وهذا الصنف ضد النهضة وهم كثر في بلدنا ونراهم يوميًّا في البلاتوهات ومواقع التواصل (برلمانيين، نواب، صحافيين ورؤساء أحزاب) وما حدث بين وزير الصناعة والنائب الفاسد ممثل حزب الآرندي منذ أيام خير دليل عن ذلك.

الصنف الثاني: هم الفئة التي تسعى لأن تكون نخبوية، وفي الغالب تجدهم يمتازون بهمتهم العالية وعملهم المتواصل على تطوير مجتمعهم والنهوض به نحو الأفضل كالدكتور نور الدين بكيس مثلًا، فتجد جزءًا من هذا الصنف يمتاز بالشجاعة، فهو يصرح بموقفه من أي قضية بغض النظر عن العواقب القانونية لهذا التصريح، أما الجزء الآخر، فيكون حياديًّا هدفه خدمة المجتمع ومساعدته فقط، وهذا الصنف هو في حد ذاته سلاح ذو حدين.

الصنف الثالث: النخبة الحقيقية، التي تمتلك المؤهلات العلمية، الخبرات الحياتية والكفاءات المهنية للنهوض بالمجتمع، لكنها تتصف بالجبن والحياد، ويكون هدفها الأول سلامتها الشخصية وحصولها على حياة مستقرة هادئة ومدخول ثابت ودائم (طالب الإبراهيمي مثلا)؛ وتنقسم بدورها إلى نوعين:

 نوع يكون جاهزًا لتقديم المساعدة إذا وجدت الشخص الذي يطلبها منه شخص جيد وذو أهداف نبيلة (الدكتور علي بن نواري مثلا) وإذا كان غير ذلك تسعى للتهرب بطرق محترمة لتحافظ على سلامتها، استقرارها وسمعتها في الأوساط.

 ونوع يكون جاهزًا لتقديم المساعدة لأي شخص قادر على تقديم مصالح شخصية إضافية له (محمد لعقاب، أحمد لعرابة مثلا).

أكيد سوف سيتساءل البعض منكم ويقول: من هو الأفضل من بين هذه الأصناف لقيادة البلد في هاته المرحلة الحرجة؟

للأسف سيكون جوابي: لا أحد منهم.

ستكون ردة فعلكم: كيف لا أحد، ما بك يا أخي، من سيقود بلدنا في مرحلتنا هذه؟ وكيف سنصل للتغيير الإيجابي من دون النخبة؟

حسنا، بنظرة ومراجعة إلى واقع بلدنا الحبيب، نجد أن هناك فئتين رئيسيتين تستلم قيادة البلد وأي شخص لا ينتمي لأحد هاتين الفئتين أو كلاهما معا فمن الصعب أن يصل لرأس السلطة، بل نقول مستحيل:

الفئة الأولى: هي الفئة «الغنيَّة» القوية اقتصاديًّا من رجال أعمال، أصحاب بنوك، أصحاب مؤسسات وأغلبهم يحسبون على النظام السابق (ربراب، تواتي، بن حمادي، سوسييتي جنرال، باريبا، جنرالات متقاعدين أصحاب استثمارات، بعض أصحاب المؤسسات الناشئة).

الفئة الثانية: فهي السلطة العسكرية (الجنرال علي بن علي، بعض الجنرالات الصغيرة التي تمتلك روح الوطنية، جنرالات متقاعدين لكن ما زال لههم صوت في السلطة مثل زروال، بتشين).

سيقول بعضكم مرة أخرى: ما دامت هكذا، اشرح لنا يا الفاهم ما هو دور النخب في تسيير وقيادة الدولة؟

حسنًا سأجيبك: النخب هم السلاح التي يُشترى من قِبل من يحاول الوصول إلى رأس الهرم السلطوي، أو يُستعان به من قِبل من على رأس الهرم السلطوي لتنفيذ خطة معينة، وعادة ما تكون هذه الاستعانة على ثلاثة أوجه بحسب نوع رأس الهرم السلطوي في البلد:

الوجه الأول: رأس الهرم السلطوي شخص جيد ووطني، يتم في البداية الاستعانة بالنوع الأول من الصنف الثالث للنخبة «التي تقدم المساعدة في حال كان طالبها جيد وذو أهداف نبيلة» ثم بعدها يتم شراء النوع الثاني من الصنف نفسه عن طريق تقديم المال أو ميزات إضافية لها، أما الصنف الثاني من النخب فسوف يكون صاحب الدور الأساسي لتنفيذ الخطط والاستراتيجيات التي يضعها الصنف الثالث من النخب، هنا يمكن للبلاد أن ترسم وتبدأ مشروع النهضة، التطور والديمقراطية (وهذا ما يحاول الرئيس تبون حاليًا فعله، لكنه وجد صعوبات كثيرة لتجسيد ذلك).

الوجه الثاني: رأس الهرم السلطوي شخص سيئ أو تم تنصيبه لخدمة أجندة معينة «ولاؤه ليس لبلده» هنا يتم شراء الفئة الثانية من الصنف الثالث من النخبة عن طريق تقديم ميزات إضافية لها أو إغرائها بالمال، والتي بدورها تسعى إلى جذب الفئة الثانية من الصنف الثاني من النخب لتقوم بتنفيذ خططها واستراتيجياتها، كما يتم في نفس الوقت شراء الصنف الأول من النخب ولا يكون هدف الشراء إدراجها في إدارة البلد، ولكن لكي تطبل وتضخم ما يتم تنفيذه من أمور في البلد لتتكلم عن الإيجابيات فقط وتغطي على السلبيات وتعمل على تخدير العامة وإشغالهم عن المهم (كما حدث أيام قرار حذف البسملة وطباعة النقود) وهنا يصبح البلد في حالة من التأخر والتخلف والدكتاتورية المطلقة.

الوجه الثالث: رأس الهرم السلطوي ما بين الوجهين السابقين «نص طياب» هنا سنلاحظ انه كلما اقترب الوجه الثالث من أحد الوجهين السابقين كانت حالته قريبة من أحدهما، أما إن كان هذا الوجه بينهما تماما فسوف نرى حالة مركبة مربكة من الوجهين السابقين، حيث سيتم تفعيل واستغلال كافة أصناف النخب وتكون حالة البلد في سعي نحو النهوض والتطور مع وجود الديمقراطية في أغلب الأمور ما عدا المتعلقة منها بالأمور السيادية حيث تسود فيها الدكتاتورية المطلقة.

أما في الختام أقول: حاليًا في بلدنا لا تبحثوا عن النخب، بل نصبوا رأس الهرم (رئيس جمهورية مخلص فطن ويفهم ألعاب الخفاء، برلماني ذو مستوى علمي ونزيه، رئيس بلدية متطلع وصاحب رؤية نهضوية) ويكفي أن تلقي نظرة على تاريخ بلدنا منذ الاستقلال وستفهم مقصدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد