في معرض بحثه عن الطبائع الموجودة في البشر، تحدث إيريك فروم عن طبع خاص بالمجتمعات الحديثة وحدها، أي أنه لم يكن لهذا الطبع وجود في العصور السابقة، وإنما هو طبع خاص بالمجتمعات المعاصرة، وقد أعطى له فروم اسما طريفا وفائق الدلالة في نفس الوقت، أسماه: التوجه التسويقي! ما هي دلالة هذا الطبع؟ وإلى ماذا يُفضي بالمرء؟

معلوم لدى الجميع أن الواقع المعاصر رأس المال فيه مستفحل بدرجة كبيرة جدا، بحيث إنه اختلق “سوقا” ضخما يتلاعب فيه الجميع حول أخذ وضع ومكانة له في هذا السوق، من أول الإنسان العادي الذي يسعى جاهدًا لإيجاد سبيل لطريقة العيش حتى صاحب أكبر رأس مال موجود، والجميع يتصارع في نفس السوق.

ولذا، لا يصح النظر إلى هذا “السوق” كشيء خارجنا، بل هو مهيمن على حياة الكائن المعاصر برمتها، فنحن لا نذهب إليه وندخل في حلبة صراعه بمحض إرادتنا، بل هو الذي يأتي إلينا رغما عنا. (وهذه من مآسي الحياة المعاصرة التي انتقدها نيتشه بقوة).

يرى فروم أن هذا الواقع التجاري الضخم والتزايد المستمر في رأس المال قد ساهم في نمو سوق جديدة غير معهودة بالنسبة للعصور السابقة، وهي “سوق الشخصية” personality market. أي يظل الشخص مهمومًا ومشغولا بالإجابة على هذا السؤال: كيف أسوّق نفسي في عالم السوق المعاصر؟

هذا هو بالضبط ما يعنيه “التوجه التسويقي”؛ أن يصير المرء مناسبًا تمامًا لأغراض السوق، أن يسعى باستمرار لأن يصير مقبولا من جانب العمل المقبل عليه.. باختصار: يوجه “التوجه التسويقي” المرء نحو الأشياء والأدوات التي تجعله قادرا على المنافسة والصراع، بتعبير آخر يختلق التوجه التسويقي دوافع داخل المرء ليست منه في شيء ولا تشبه وإنما هي دوافع تنمتي للخارج ومعاييره.

يشير فروم إلى أن هذا الطبع يحيل المرء إلى معايير خاصة بالنجاح؛ فلن ينظر المرء بعد الآن إلى النجاح سوى نجاح واحد فقط: هو النجاح في عملية بيع نفسه في السوق! فأن تبدو بارعا في تسويق نفسك، فإن ذلك وحده هو النجاح. “إذ يعتمد النجاح إلى حد كبير على مسألة كم يجيد الشخص بيع نفسه في السوق، كم يجيد إبانة شخصيته، كم هو حزمة ظريفة”.

يبدو أن الشخص في عالم السوق المهيمن لم يعد شخصًا مستقلا بذاته، ولا يعرف أصلا أنه كائن مستقل، بل غدا ينظر لنفسه بوصفه “سلعة” عليه أن يحقق معايير السوق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وذلك حتى يغدو رائجًا ومعترفا به، تماما مثل حقيبة موضوعة على رف أحد المحلات، لو أن هذه الحقيبة تشعر وتفكر، فإنها ستحاول أن تجعل نفسها “جذابة” لتجذب الزبائن ولتبدو غالية وتنال سعرا عاليا.

ما يبدو مُلفتا وخطيرا في نظر فروم أن هذا الطبع “التوجه التسويقي” اختلق نمطًا من التفكير له تأثير عميق في النظام التعليمي المعاصر، من المدرسة الابتدائية وحتى التخرّج؛ إذ تكون “غاية التعلم هي جمع ما أمكن من المعلومات المفيدة لأغراض السوق”. لم تعد المدرسة أو الجامعة بيت العلماء والمفكرين والفلاسفة، بل هي بالأحرى موطن “شخصية السوق” الذي هو في سعي دائم ومتواصل لتلبية أغراضه.

ما هو مآل هذا النمط من التفكير؟ ستغدو المعرفة كسلعة. فلن يهتم المرء بأية معرفة ليس لها مكان في عالم السوق. معرفة لن تزيد من مكانته شيئا، معرفة لا حاجة له بها. وحدها المعلومة التي تحقق مكسب هي المعلومة الأكثر قيمة وفائدة.

بهذا الطبع المتأصل في نفس الإنسان المعاصر يصير فكر الإنسان “فكر حاسب”، حسب مفهوم هايدغر، من دون “الفكر المتأمل”؛ الفكر المتعالي على الفهم العادي والتفكير الحاسب، التفكير الحاسب هو الذي يعدّ ويحسب، تفكير يرسم الخطوط والبرامج ويحسب دائمًا وفق ظروف وشروط مسبقة. وإن كان كلاهما، أي التفكير الحاسب والتفكير المتأمل، ضروي ومشروع، فإن طبع “التوجه التسويقي” قد عزز من التفكير الحاسب وقوّض من كل تفكير متأمل، ذلك التفكير الذي يعد في نظر شخص السوق تفكير غير عملي وغير مجدٍ، تفكير يهتم بالحقيقة “فقط” وليست له في السوق قيمة تبادلية.

لا يحدد التوجه التسويقي التفكير فقط، من حيث إنه يجعل التفكير أقل إنشغالا بالعلم والمعرفة باعتبارها وسائل تخبرنا عن سرّ وجود الإنسان في الكون، ويجعله هذا الطبع في المقابل أكثر ذكاءً في الاحتيال حول النجاح، وإنما يمتد التوجه التسويقي ليشمل الشعور كذلك، كيف يحدث ذلك؟

يعمق فروم من البداية سيكولوجية شخصية السوق الذي حددت لنفسها معايير للنجاح، فاحترام المرء لذاته صار معتمدا على شروط السوق بالضرورة، وهي شروط بالتأكيد خارج سيطرته، “فإذا كان ناجحًا فهو قيّم، وإذا لم يكن ناجحًا، فهو عديم القيمة” هكذا ببساطة ينظر الشخص لنفسه.

لما كان كذلك، أي لما كان دور الشخص في كل خطوة يخطوها في حياته تلخصها هذه العبارة: “أنا كما ترومني”، فإن قدرة الشخص وما تخلقه ستظل دائما غريبة عنه، ستظل شيئًا للآخرين ليحكموا ويستعملوا، وبالتالي يمكن الحديث هنا عن الشخص الذي لم يعد له كرامة أو تكون هويته مهزوزة، ولكن رغم ذلك لا يشعر المرء بأدنى مشكلة في الأمر، لماذا؟

لأننا قد تعلمنا منذ نيتشه أن الإنسان هو حيوان مقوّم، أي أنه هو مَن يهب القيمة للأشياء، سواء كانت قيمة إيجابية أو سلبية، ويرجع نيتشه كل تقييم شخصي لأشياء العالم في ضوء حاجاته ومنازعه وغرائزه، وما يمكن أن نخرج به هنا أن الإنسان لن يدع لنفسه فرصة، بفضل منازعه وغرائزه، كي يكتشف أن وجوده في غمار السوق يربك هويته أو أنه سيحيله لشخص بلا كرامة، وإنما سوف يقوم بتقييم وجوده في السوق، أي سوف يمنح هذا الوجود قيمة إيجابية، سوف يبرر وجوده على أنه طريق نحو النجاح والطموح والمجد، إلخ. وسيرجع في ذلك لا إلى نفسه وقدراته بل في رأي الآخرين عنه.

رجوعًا لهذه النظرة من الآخرين وللآخرين، فإن فروم يلتقط ببراعة ملامح العلاقات الإنسانية في ضوء عالم السوق، فالجميع هنا ينظر لنفسه وللآخرين كسلعة يتم الاعتبار لها على أساس القيمة التبادلية وقدرتها على ترويج نفسها، أي أنهم (أشخاص السوق) يبنون علاقتهم بالآخرين وبأنفسهم على عنصر مشترك واحد، يمكن اختزاله في هذا الوصف: “سعرهم في السوق”!

كيف هو حال فردية الفرد هنا وخصوصيته؟ “أما فرديتهم التي هي فريدة وخصوصية، فهي عديمة القيمة، وهي في واقع الأمر حصاة لرصف الطريق” يقول فروم. أي لم يعد هناك أي اعتبار للفردية والشخصية بما هي كيان مستقل بذاته، لقد قوبلت الفردية في عالم السوق بقدر رهيب من النسيان واللامبالاة، حتى صار مصيرها النفي التام. (جديرا بالذكر أن فروم اعتبر كلمة “فردية” مرادفا لكلمة “شاذة” من فرط نفيها وعدم قيمتها)

ما الذي يحدث في حال إهمال فردية الفرد؟ ماذا لو لم نتعامل مع الآخرين كأشخاص لها فرديتها وخصوصيتها، في المقابل يتم التعامل معهم كسلع وكقيمة تبادلية لها شأنها في عملية التسويق؟
ستكون العلاقات الإنسانية سطحية تمامًا، ليس ثمة ترابط وحميمية بينهم، فقط هناك مصلحة وقيمة منفعية، وهي وحدها المحدد الأول للعلاقة مع الآخرين.

“فالسوق يخلق نوعا من الزمالة، فكل امرئ منخرط في معركة التنافس نفسها، يشارك في المجاهدة نفسها من أجل النجاح؛ وكلٌ يتلاقى على شروط السوق نفسها (أو على الأقل يعتقد أنه كذلك). وكل امرئ يعرف كيف يشعر الآخرون لأن كل شخص هو في المصيبة سواء: فهو وحيد، يخشى السقوط، تواق إلى السرور؛ وليس في المعركة رحمة تُمنح أو تُتوقع”.

من جمالية فروم هنا (وكلمة جمالية تليق تماما بهذا السياق رغم علمنا أننا بصدد مسألة معرفية) أنه امتد في تحليل العلاقات الإنسانية ليس بخصوص مجال العمل فقط، بل هو قد ذهب في تحليله إلى علاقة الفرد الأسرية، أي علاقة الفرد بمن هو أقرب إليه من الزوجة والأولاد، فما هي آثار صراع السوق (الذي لا ينتهي أبدًا) بعلاقة المرء وحياته الشخصية؟

لما كان واقع السوق عقيم في إنتاج علاقات إنسانية حميمية، ويقيم علاقات أكثر ابتذالا ووجوه سمجة، (ولمَ لا؟ فقد انتهت الفردية والخصوصية تماما) فقد يأمل الشخص أن يتمكن في العثور على شعور عميق وشديد في الحب الفردي، لكن فروم ينفي ذلك تمامًا، بانيا نفيه على معادلة ربما هي ذات نزعة دينية في المقام الأول، تلك هي المعادلة بالضبط: حب المرء لأحد الأشخاص = حب الجار. “لا ينفصلان”. فأن تحب أحدا يعني أن تحب الجميع. وأن تقيم علاقاتك مع الناس بقدر رهيب من الابتذال والمنفعة، فإن ذلك سيؤول لا محالة إلى بناء علاقتك مع الآخرين من دون الحب والشعور العميق، وإن كان مع أقرب الناس إليك هم زوجتك/ زوجك وأولادك.

والحال، فإن التوجه التسويقي، المتأصل في طبع الإنسان المعاصر، ينتهي بالإنسان إلى عزلة واغتراب، اغتراب عن الذات، وعن المعرفة، وعن الحب، وربما هو يظن أنه يسعى من أجل ذاته، لكنه في واقع الأمر أنه يسعى نحو كل شيء ويعمل من أجل كل شيء إلا من أجل ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد