عيدٌ لم يعُدْ علينا كأيِّ عيد، يحملُ في طيّاتِه ذكريات أليمة تُفسد علينا هذا اليوم المبارك – يوم النحر – ، فقبل ما يُقارب نصف قرنٍ وتحديدًا يوم 21 أغسطس (آب) 1969، اقتحم المُتطرف دينيس روهان المسجد الأقصى وأشعل النار في المصلى القبلي بالمسجد الأقصى. وجاء ذلك في إطار سلسلة من الإجراءات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي لطمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس.

إذ شبّ الحريق في الجناح الشرقي للمصلى الواقع في الجهة الجنوبية من المسجد الأقصى، وأتت النيران على واجهات المسجد الأقصى وسقفه وسجاده وزخارفه النادرة وكل محتوياته من المصاحف والأثاث، والتهمت النيران أيضًا منبر المسجد التاريخي الذي أحضره صلاح الدين الأيوبي من مدينة حلب، وقد تضرر البناء بشكل كبير، مما تطلب سنوات لترميمه وإعادة زخارفه كما كانت.

عدا عن كون هذا التاريخ يشكل ذكرى حزينة لدى الشعب العراقي خاصة والشعب الفلسطيني والعرب عامة، ففي مثل هذا اليوم العاشر من ذي الحجة تعرض الرئيس العراقي صدام حسين للإعدام شنقًا على يد القوات الامريكية في عام 1427 للهجرة، مما أدى إلى موت أحد مساندي القضية الفلسطينية والمدافعين عنها، مخلفًا ذلك وراءه موجة من الحزن والغضب العارم إذ صار هذا بمثابة يوم مأساوي يطرق الحزن فيه أبوابهم بدلا من السرور والرضا الذي من المفترض أن يشيعا.

ذكريان مأساويتان تطرق أبواب ذاكرتنا في هذا اليوم العظيم، لتنغصّ علينا الفرحة وتنقص منها شيئًا من ملامحها فهل هذا سببٌ كافٍ لنتجنّى على الله ولا نؤدي حقه في هذا اليوم فننسى شعائر التي فرضت علينا؟!

لسان حال البائسين اليائسين يقول بأي حالٍ عُدتَ يا عيد؟! بماذا عُدتَ ولماذا تذكرنا بمأساتين في يومٍ واحد؟! أليس هذا كثير علينا في يوم كهذا؟!

أقول لكم قدّر الله وما شاء فعل، وقد شاء لكم أن يحمل هذا اليوم المبارك يومًا في طياتِه شيء من ذكريات الحزن والظلم، أجل الظلم الذي يتعرض له أصحاب الحق والمقدسات المُحرمة، ليرى أتصبرون وتحتسبون هذا البلاء عنده وتوفوه حقه أم أنكم ستتذمرون وتتجنّون فتقعدوا عن أداء شعائره التي كُتبت عليكم.

وفي هذا المقام أولى لنا أن نذكر نبينا الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – وما تعرض له من أذى قومه، وظلمهم حين شد رحاله للمرة الأولى للحج؛ فحال المشركون بينه وبين مكة المكرمة ومنعوه من أداء فريضته التي كتب الله عليه، فرغم حزن الرسول وأصحاب على الحيلولة بينهم وبين فريضتهم إلا أنّهم لم يسمحوا للحزن أن يسيطر على قلوبهم وحياتهم، فصبروا واحتسبوا ذلك عند الله، فكون هذا اليوم يحمل في طياته الحزن والأسى لا يحب أن يحول بيننا وبين أداء شعائره، لذا فلنجعل رسولنا قدوة لنا في الصبر على الأذى والظلم وتحمل الشدائد.

إذا كان للحزن حق علينا ونصيب من يومنا فإن الله له الحق الأكبر علينا في هذا اليوم المبارك، فواجب علينا أن نشكر بالطاعات كالخروج لصلاة العيد، والمشاركة في التكبيرات، إضافة للأضحية التي تعد شعيرة من شعائر الإسلام وعبادة عظيمة قرنها الله تعالى بالصلاة حيث قال في كتاب العزيز: (فصلِّ لربِّكَ وانحرْ).

هذا عدا عن برّ آبائنا وصلة أرحامنا التي أوصانا بها، وكل هذه الأفعال هي المظاهر للتقرب من الله عز وجلّ واتباعًا لوصية نبي الكريم، أضف إلى ذلك أنها تشيع جوًا من السعادة والألفة بين الأهل والأقارب، فهي فرصة للتقرب لله بشكل أو بآخر، لذا وجب علينا العمل بها، ومحاولة إبراز مظاهرها شكرًا لله على نعمه، واتباعًا لهدي نبي وأسوة بالصحابة الكرام، عليهم أفضل الصلاة والسلام.

فيا رعاك الله تجنّب الحزن والأسى في هذا اليوم المبارك، وحاول بث السعادة والسرور والرضا بين الناس ما استطعت، ولا تتبع أهواء القلوب الحزينة والتعساء فحزنهم لن يزيد الحياة إلا كدرًا وسيذهب بكل المعاني الجميلة والطيبة في يوم كهذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد