يشدك اسم رواية «بتوقيت القاهرة» الذي يتشابه إلى حدٍّ ما مع اسم آخر لأحد البرامج التليفزيونيةِ الذي كان يُذاع على قناةٍ فضائيةٍ شهيرةٍ، ليس هذا فقط؛ بل إنَّ اسم المؤلف حسام مصطفى إبراهيم، وكذلك غلاف العمل، كانا عاملين مهمين وراء اقتنائي تلك الرواية التي لم تأخذ وقتًا طويلًا في القراءة بعد شرائها من «فرشة» كتب من تلك المنتشرة وسط العاصمة المصرية القاهرة، لكنَّ متعتها وبساطتها ستظلان وقتًا أطول بالتأكيد.

منذ الصفحات الأولى في تلك الرواية، سيشعر القارئ – لا سيما المغترب في القاهرة – بأجواء وعالم هذا العمل الأدبي المألوف الأحداث والشخصيات، العادي البسيط في البناء والسرد. هنا نحن على موعدٍ لمعرفة رحلة شابٍ جاء من مدينة شربين (مركز يتبع محافظة الدقهلية الواقعة في جمهورية مصر العربية)، للعمل مراجعًا لُغويًّا بإحدى المجلات مواجهًا عالمًا غريبًا لا يعرفه في براح شوارع العاصمة وقسوتها أيضًا. القاهرة التي يقول عنها المؤلف في روايته إنها لا تصادق أحدًا، ولا تساعد أحدًا، ولا تنصت لآهات أحد، وكذلك لا تحب قضاء وقتها في مواساة المحزونين والضائعين أو تضميد جراحهم، فلديها ما هو أهم.

تزداد تلك الرحلة صعوبةً مع شابٍ لم يغترب مرةً واحدةً، ولم يدخل الجيش، ولم يفارق أسرته نهائيًّا، حتى الشاي – ذلك المشروب الشهير – لا يعرف كيف يُعده؟ وعلى الرغم من كل ذلك، يخوض مغامرةً شجعه عليها نشر قصةٍ قصيرةٍ له في جريدة «أخبار الأدب» الشهيرة في الوسط الثقافي، وتحدث أحد النقاد عنها. في لحظةٍ، يقرر هذا الشاب الفرار إلى القاهرة، والجري وراء حلمه في العاصمة، متحديًا زحامها، وضجيجها، وشوارعها المنسية، حتى لا يكرر تجربة والده الذي كان مبدعًا أيضًا، ولكن لم يخض المغامرة نفسها، فسرقته السنوات وأجهضت الأيام حُلمه.

في القاهرة – وكأي مُغتربٍ – سيتعرض هذا الشاب للعديد من المتاعب التي يخوضها كل قادمٍ إلى عالم العاصمة؛ البحث عن فرصة عمل في مواقع التوظيف، وعلى الإنترنت، وفي «أهرام الجمعة»، وسؤال الأصدقاء. وكذلك الجرى وراء الاستقرار في سكنٍ حتى لو كان متواضعًا، ومقاومة السقوط في غواية إحدى السيدات «العاهرات» التي تستخدم مسكنها «فخًّا» سهلًا لاصطياد الشباب والدفع بهم نحو المتعة الحرام، ثم قصة حب البطل مع «سندس»، والأماكن التاريخية التي يزورها بصحبتها؛ المتحف المصري، قلعة صلاح الدين، الصلاة في جامع السلطان حسن، ومشاهدة مجمع الأديان، وجمعية الأدباء التي كانت «فيلا» الأديب الشهير يوسف السباعي.

من خلال قراءة الرواية. يُمكن القول إنَّها تسير عبر ثلاثة مساراتٍ منفصلة متصلة؛ الأول: قصة الشاب/بطل الرواية القادم من «شربين» والذي لا نعرف اسمه طوال الأحداث، ورحلته في «براح» شوارع القاهرة، وكواليس بحثه عن فرصة عملٍ، المسار الثاني: القصص المتفرقة طوال فصول الرواية والخاصة بأصدقائه وحبيبته «سندس» التي كانت سندًا له في مقاومة قسوة العاصمة، والمسار الثالث: حياة الشاب في «شربين» قبل السفر إلى القاهرة.

أكثر شيء محزن في رواية «بتوقيت القاهرة» هو المصير القاسي لكل أصدقاء بطل الرواية؛ فأحدهم مات دهسًا أسفل عجلات قطار، وآخر يدعى «محمود» غرق أثناء محاولة إنقاذ حبيبته سوسن المحمدي، وحسن الصعيدي صاحب الحكاية الغريبة، ذلك الذي يقرأ أشعار أمل دنقل، ويكتب خطابات لن تصل أبدًا إلى حبيبته، والذي يختفي ثم يُعثر عليه مذبوحًا في غرفة بأحد الفنادق الرخيصة بـ«الحسين».

وعلى الرغم من الإيقاع الهادئ للرواية والسرد الرائق؛ فإنني لم أحب الجزء الخاص بـ«وسيم»، ذلك الشاب المسيحي صديق بطل الرواية، والذي يرتبط بقصة حبٍ مع فتاةٍ مسلمةٍ، ويقرران في نهاية الرواية الهرب والزواج متحدين كل تقاليد المجتمع الصارمة التي تُنهي كل قصص الحب الشبيهة.

في ما يخص هذا الجزء من الرواية، فلقد أحسست أنه كان صاخبًا أفسد هدوء الرواية، وشعرت بأنَّ الهدف منه مجرد إثارة قضية خطيرة مثل زواج مسيحي من فتاة مسلمة، حتى الحوارات بين الشخصيات لبيان حُرمة أو جواز مشروع الارتباط كانت حواراتٍ تقليديةً روتينيةً.

في العالم الروائي لـ«بتوقيت القاهرة»، لم أحب أيضًا قصة إصابة «سندس» حبيبة البطل بمرض «سرطان الثدي»، ثم موتها بعد ذلك. هذا الحدث أضاف جوًّا محزنًا على تفاصيل الرواية، فضلًا عن أنها حكاية تقليدية أيضًا، تشعر بأنها خارجة فورًا من أحد الأفلام الرومانسية القديمة.

كنت أتمنى من الكاتب أن يجد مسارًا آخر مختلفًا لتلك الحكاية؛ «سندس» هنا كانت تلعب دورًا مهمًّا في إزالة مخاوف وهواجس بطل الرواية من انقطاع الرزق، ومن الغد، ومن الدخول أصلًا في علاقة ارتباط جادة، ومن العاصمة نفسها. لك أن تتخيل أنها ستموت، فكيف لنا أن نتخيل حياة البطل فيما بعد وقد نفد مصدر قوته بالمرض ثم الموت؟

في رواية «بتوقيت القاهرة» يتقاطع الحديث عن قسوة «العاصمة» اللعوب ومراوغتِها وعدم فتح قلبها للغرباء، وعدم منحهم أسرارها، مع الرؤية نفسها التي قدمها الكاتب والسيناريست الشهير عبد الرحيم كمال في روايته «بواب الحانة» التي قدمنا لها سابقا قراءةً هنا في موقع «ساسة بوست».

فبينما يرى الكاتب الشاب حسام مصطفى إبراهيم «أنَّ القاهرة مدينة بلا قلب»، يُشبه عبد الرحيم كمال في روايته «بواب الحانة» القاهرة بـ«الغولة التي تجلس أمام بيتها، وتغري الغرباء بدخوله، حتى إذا فعلوا، ابتلعتهم البئر الواقعة خلف باب بيتها».

يكتب «كمال» عن القاهرة/العاصمة: «قالت على الفلاحة أم كلثوم إنها ابنتي كوكب الشرق، ونسبت اليتيم الهارب عبد الحليم حافظ إليها، وأسمته العندليب، وطاردت أحمد زكي من مكان إلى مكان حتى أسكنته الفنادق قبل القبر، ثم قالت فتى الشاشة الأسمر، وقتلت يحيى الطاهر عبد الله في حادث طريق، وأنهكت جسد أمل دنقل بالمرض، وأكلت غيرهم على المقاهي الرخيصة والبارات، ورقصت مع غيرهم وغنت، ثم دفعتهم إلى حين غرة إلى الضياع، ملعون أبوها العاصمة التي لم أنم فيها ليلة واحدة نومًا هنيًّا، كذلك الذي نمته في حجر أمي».

رواية «بتوقيت القاهرة» صدرت طبعتها الأولى عن دار «دَوِّنْ» للنشر والتوزيع، يناير 2015، في 147 صفحةً، بغلاف جميل وجذَّاب لـ«أحمد مراد».

درس الكاتب المصري حسام مصطفى إبراهيم اللغة العربية، وعمل في عدة تجاربٍ صحفيةٍ شهيرةٍ مثل جريدتي «الدستور»، و«التحرير»، ومواقع «بص وطل»، و«دوت مصر»، و«جود نيوز».

صدرت له عدة أعمالٍ تنوعت بين الرواية والمجموعات القصصية والأدب الساخر والدراسات النقدية وأدب الرسائل، مثل: «يوميات مدرس في الأرياف»، و«اللحاق بآخر عربة في القطار»، و«نعيق الغراب»، و«جر شكل»، و«من غلبي»، و«لولا وجود الحب»، و«قراءة في كف الحب»، و«كتاب التعافي»، و«كتاب الونس»، وهو صاحب المبادرة الشهيرة «اكتب صح» التي تهدف لتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية والأسلوبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد