كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا، كانت درجة الحرارة بالخارج تقترب من العشر درجات مئوية، كان الأرق قد فعل به الأفاعيل، والنوم يجافي مضجعه، قرر النهوض من سريره، قام برشاقة يحسد عليها دائمًا دون أن تشعر به زوجته، ارتدى ملابسه في عجالة وأخذ مفاتيح سيارته مقررًا الخروج، كانت الشوارع خالية تمامًا عدا قلة من المجذوبين الهاربين من عيون البشر، لم يستغرق أكثر من خمس عشرة دقيقة حتى يصل إلى وجهته، أبطل محرك سيارته وفك حزام الأمان، وقبل أن يهم بالنزول تأكد مرة أخرى من إغلاقه كافة النوافذ، لديه تجربة سابقة مع السرقة.

نزل من السيارة متجهًا نحو السور القديم، كانت الخطوات ثقيلة معبأة بالذكريات، كانت خطوات مرهقة على قلبه لكنه أصر على الإكمال، حتى بات شاخصًا أمام السور يتلمسه بيديه وما هي إلّا لحظات حتى تفلتت منه أولى العَبرات التي فتحت الباب لشلال متدفق من الدموع، حاول مرارًا أن يخفض صوت انتحابه لكنه لم يقدر، ظلّ يصرخ بجمل متقطعة يمكن ملاحظة تكرار كلمة “سويسرا” فيها. كان يبكي أمام الباب الذي لطالما دخله محمولًا على الأعناق، كان يبكي كطفل أتاهته أمه في زحام المدينة وتركته يقاسي وحشة الفراق وحيدًا دون سند.

في تلك الأثناء استفاق من نومه حارس الباب على صوت انتحابه، خرج من غرفته المنزوية بجوار البوابة الضخمة مفزوعًا، فوجده هو بذاته!
لم يصدق الحارس الأمر في بادئ الأمر، ظل يرمقه من بعيد حتى يتأكد لكنه كان هو بالفعل، ما كان لعم خالد الذي أفنى عمره في كنف البوابة الرئيسية أن يخطئه، اقترب منه ثم أمسك بيديه ليرفعه من على الأرض بعدما كان قد انهار تمامًا، كفكف دموعه بيديه ثم نظر إليه مباشرة في عينيه بينما يحاول هو تفادي التقاء الأعين، قال له: لا تبكِ، فمكانك محفوظٌ بالداخل، لم ولن يستطيع أحدهم ملأه مرة أخرى، أعلم أنك فعلت المستحيل للعودة لكن ذلك ما جرى. لم يكن لدى عم خالد الكثير من الكلمات ليطيب بها خاطره، أعطاه عصام ظهره وذهب ليدير محرك سيارته عائدًا إلى منزله.

في طريق العودة كانت الذكريات تقتل عصام، أخذ طريق المحور متجهًا إلى منطقة الشيخ زايد حيث يقبع منزله، لكنه قرر الاتجاه إلى منزل صديقه وجاره بدلًا من العودة إلى البيت، لا يهم التوقيت فما بينهما أكبر من أي شكليات، طرق عصام الباب ولحسن حظه فإن صديقه كان مستيقظًا يستعد لصلاة الفجر، فتح محمد الباب لعصام وما أن رآه عصام حتى قام باحتضانه وشرع في البكاء مجددًا. حاول أن يفهم منه لكن دون فائدة، ظل عصام يبكي ويبكي حتى نام في منزل صديقه.

————————————-

في صبيحة الأول والعشرين من فبراير عام 2008، استيقظت مصر على خبر هروب عصام الحضري الحارس الأول لمنتخب مصر والنادي الأهلي إلى سويسرا، للانضمام إلى نادي سيون السويسري.

تبدأ القصة عندما قدم النادي السويسريّ عرضًا قيمته 400 ألف دولار لضم الحارس المتوج بجائزة أفضل حارس في بطولة أمم أفريقيا التي أقيمت في غانا، وكان أحد أسباب فوز المنتخب المصري بها، لكن النادي الأهلي رفض رفضًا قاطعًا التفريط في الحضري، لكن عصام لم يذعن لقرار النادي وقرر الهروب، هرب تاركًا الأهلي في خضم منافسة الدوري ودوري أبطال أفريقيا، هرب تاركًا الحيرة تعلو الوجوه ترفض التصديق، هرب مغامرًا بكل شيء.

لم تدم مسيرة الحضري في سويسرا مدة طويلة ولم تكن حافلة بالإنجازات، فسيون النادي المغمور لم يكن من فرق المقدمة ولم يفز الحضري معه بأي بطولة، وبعد قرابة العامين قرر الحضري العودة لأرض الوطن، ليبدأ فصلًا جديدًا من فصول القصة..
أخذ عصام كل وسائل الإعلام “كعب داير” كما يقال بالتعبير الدارج، معلنًا اعتذاره لكيان النادي الأهلي وجماهير النادي الأهلي وإدارة النادي الأهلي، ويطالبهم بالصفح وأن يسمحوا له بالعودة، في هذه الأثناء كان الصمت مسيطرًا على إدارة النادي الأهلي التي لم تعقب على اعتذاراته في البداية، فالأهلي يحتاج حقًا إلى عصام ليحرس مرماه بعد أن توالى على حراسة المرمى عدة حراس لم يستطيعوا تعويض قفاز واحد من قفازيْ الحضري، وهاهو قد أتى واعتذر من الجميع وقد علم فداحة جرمه. إذن الحضري سيعود ليذود عن عرين نادي القرن الأفريقي مرة أخرى حيث مكانه الطبيعي، هذا ما تمناه عصام لكنه لم يحدث.

حيث خرجت إدارة النادي الأهلي برئاسة حسن حمدي ونائبه الأسطورة محمود، وأعلنت أن الحضري لن يدخل النادي الأهلي مرة أخرى. قولًا واحدًا.

كانت هذه الكلمات بمثابة رصاصة الرحمة على الحضري، الذي ظل يتنقل بعدها بين أندية الوسط في الدوري المصري، وأندية الشركات المصرية في إهانة لرمز قدم الكثير.

ما حدث قد حدث، لكن السؤال هل ما فعله الأهلي كان صحيحًا؟

ألم يكن يستحق عصام فرصة أخرى، لقد أتى واعتذر وقدم كل القرابين ليعود، أعلم أن منظومة القيم داخل النادي غير قابلة للخدش، لكن عصام قدم الكثير للكيان وكان أحد أهم أعمدة الفريق، وأنه ما كان ليقدم على خطوة مثل هذه إلّا من أجل طموحه في أن يصل يومًا ما للعالمية، وهو الذي كان قد تجاوز الثلاثين حينها. الكل يخطئ ويصيب لكن الشجاع هو من يمتلك شجاعة الاعتذار عن أفعاله، وهو ما فعله عصام، ورغم كل ذلك لم يشفع له بأن يدخل النادي مرة أخرى. لا أستطيع أن أتفهم ما قام به الأهلي في إطار الحفاظ على تقاليد النادي الأهلي وخصوصيته وتفرده، ولا أجده سوى تعنتٍ ظالم ما كان يجب أن يحدث.

في النهاية، يلعب الآن عصام الحضري آخر أيامه في الملاعب، فهل يمكن أن نرى عصام مرة أخرى بقميص النادي الأهلي كنهاية مشرفة لبطل غير معصوم.
هذا ما أتمناه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد