ليسَ جدليًا كما يُحاولُ –بعض- الناسُ تَقديمه مِمن لا يَعرفونه، رجلٌ أَحبَ بلدهُ، عَايش لحظات من فترةٍ تاريخيةٍ غايةٍ في الخُطورةِ، أحيانًا كانَ قريبًا من السُلطة، أحيانًا كان مناوئًا وعدوًا لها، أحيانًا آثرَ الصَمت، ورَضى بَالبعدِ الاختياري، لكنه لمْ يُتاجر بوطنهِ، ولمْ يُشرعنَ اسِتعبادِ أهله.

هو أردنيٌ مثلنا جَميعًا، لا يُمكن بأَي حالٍ من الأحوالٍ تَخوينهُ، فقط لأنه يتحدث من الخارجِ، أنْ تكونَ مُغتربًا أُردنيًا هذا يَعني أنَ فئةً من الناسِ مَدفوعةً بأسبابٍ ممنهجةٍ تَراك شَيطانًا رَجيمًا، لا بدَ من رجمهِ، مع أنَ الحقيقة ليستْ كَذلك، فمن يُطلقُ سِهامهُ على أردنيٍ واحدٍ لأنهُ يقيُم في الخارجِ اليوم، لديهِ القَابليةِ لأن يُوجه عينَ السِهام لصدرِ كل أردني في الغدِ.

هل تتخيلون معاداة مدير مخابرات ورئيس وزراء شخصيًا، عداء أجهزة موجهة لفرد، عداء أخذ منحى شخصيًّا، مقابل رجل اجتهد فاعتبر غير وطني، أي عاقل سيقف بوجه هؤلاء وسيبقى قائمًا على رجليه؟، الرحيل إلى حين اختيار، وأفضلية لحفظ الروح، مما يحاك ضدها.

«نايف»، يعتبر جزءًا من منظومة أردنية، عايش أحداثًا وقصصًا وكان شاهدًا عليها، تعتمد الحجج في طرحها، والحجة لا بد لها من حجة مثلها لإسقاطها، ومناقشة ما يقوله الرجل لا تحتمل التخوين والابتزاز، بقدر ما تعتمد النقاش والسؤال عن حقيقة ما دار في تلك المساحات التي تحرك فيها «الطورة»، بمعرفة المرجعيات والحكومات وقادة الأجهزة الأمنية وسدنتها.

المؤسف، حقًا أن ما يطرحه الطورة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحديدًا، اطلع عليه العديد من الكتاب والصحفيين ممن ما زالوا على قيد النبض والحياة، خصوصًا ممن عمل معه في صحيفة البلاد، كنتُ أتمنى أن يطل هؤلاء من بروجهم الوهمية لمناقشة ما يقوله الرجل برقي، دون الذهاب إلى مستنقعات التخوين والعمالة، التي يعتمدها البعض لتدعيم حججهم الضعيفة.

عندما يقول «نايف الطورة» بعمق علاقاته بمسؤولي الدولة الأردنية، فإن الصدق يسبقه، وأنا أتحدث عن تجارب عايشتها وأعي ما فيها ومَنْ فيها، وعلى أعلى مستويات.

الكثير من المناصب تم عرضها على الرجل، ليس آخرها ما تم مناقشته بخصوص العودة لاستلام أحد المناصب الثلاثة التي عرضت عليه، الكثير من الأسباب حالت دون ذلك، لعل أسماها طلب الرجل، بالاعتذار عن تلك الفترة التي أمعنوا في ظلمه فيها دون سبب، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فالرفض يسبق ما سواه في وطني.

من القصص التي تناولها «نايف الطورة»، هو ذلك المشروع الذي تم الحديث فيه مع الصحفي «محمد صيام» أثناء اشتعال الربيع العربي؛ إذ التقى «محمد صيام» الملك «عبد الله» في واشنطن، وتم الاتفاق على تأسيس فضائية مدعومة أردنيًا تخاطب الرأي العام الغربي انطلاقًا من أمريكا؛ ولأجل ذلك تم استقبال «محمد صيام» في الديوان الملكي لاحقًا ودائرة المخابرات، لكن أُفشِل المشروع؛ نتيجة ظروف إقليمية تمثلت بالإطاحة بحكم الإخوان، ما يعني القدرة على مواجهتهم أردنيًا إضافة إلى توصيات «عماد الفاخوري» التي أسقطت المشروع برمته، المشروع يعلمه عددًا من الصحفيين الأردنيين الذين تلاشوا في جحورهم، وصمتوا صمت القبور، ولولا الخوف حاليًّا من القوانين لذكرتهم اسمًا اسمًا، خُصوصًا مَنْ طُرحت أسماؤهم ليكونوا مديرين لمكاتب عمان!

إضافة لكل هذا، يأخذ البعض على «نايف الطورة» تحديدًا حديثه من خارج الأردن، وكأن ذلك فعل غير وطني، إلى هؤلاء أقول: أنا في الأردن، لم أسمع بكم سابقًا، وقد نطقت ألسنتكم بأمور أردنية بحتة، وبما يدور في أروقة القصر، وإن فعلتم ذلك، فإنكم ترتكزون على جانب الرضا المتأتي من الحكومة والأجهزة والنظام بشكل عام، فسعيكم يتماشى مع مشاريعهم، وأحيانًا يشرّع فسادهم، تحدثوا بشيء واقعي يعيد الأمل للمواطن الأردني وامنحوه فرصة ومساحات للتنفس، لاستعادة مقدراته وشركاته وثرواته من أيادي عصابات الفساد المؤسسي التي تسيطر على البلد، بربطات عنق وبدلة مطرزة بالدم.

المؤسف حقًا في كل هذا، أن الخلافات التي أشعلها البعض، ليست إلا أداة سخرية ووسيلة لسعادة الفاسدين وحماتُهم، هم في كل ليلة يجتمعون لإضعافنا، ويخططون، فيما ينشغل العامة في صراعاتهم الجانبية التي تبدأ بالإنكار ولا تنتهي بالتخوين، وهذه تحتاج إلى دراسة نفسية مُعمقة، لربما لأن المرض مستعص جدًّا ويحول دون إعمال العقل أو ما تبقى منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد