ما الذي يمكن أن تعنيه عبارة «دفاعًا عن الدولة»؟ أو ما الدلالة التي يمكن أن يحمل عليها القول بوجوب السعي للانتصار إلى كيان ترسخ في أذهاننا منذ زمن بعيد على أنه – الدولة – رمز للقهر والعنف والتسلط؟ هل تُعبِّر الدولة عن السلطة السياسية، الإقليم والشعب كما هو مألوف في النظرية العامة للقانون الدستوري؟ أم أن الدولة شيء آخر يعلو على السلطة والمجتمع ويوجد في زاوية مستقلة أشمل في المعنى، كظاهرة ولدت في التاريخ مثلما يذهب إلى ذلك الكثيرون؟ ثم هل يجوز اعتبار العلاقة فيما بين الدولة والمجتمع علاقة قائمة على التضاد والقطيعة؛ إذ لا وظيفة للمجتمع سوى كبح جماحها؟ ألا يمكن الذهاب للقول إن الدولة أضحت معرضة للتلاشي بفعل الآثار التي خلفتها العولمة؟

من البيِّن، أن العناصر التالية: العنصر البشري، العنصر الجغرافي، العنصر التنظيمي، تشكل بدون الشك المداميك الأساسية لقيام الدولة، الأمر الذي ما فتئت تؤكده الدراسات الدستورية، وتفرد له مساحة شاسعة للنقد والتحليل، لكن ماذا عن أصل الدولة ونشأتها؟

لنقل إن الدولة كيان تاريخي متجسِّد في واقع مرئيٍّ نشأ وانبنى على مقتربات عدة أولها؛ «توصف بالنظرية الدينية، تتأسس على أن الدولة حصيلة إرادة فوق بشرية، ونظام قدسي فرضه الله لتحقيق الغاية من الاجتماع البشري، بتقديس السلطة العامة التي هي من حقوق الله وحده، وينوب عنه فيها الحكام والملوك بتطبيق سلطته على الناس»، بينما تجد النظرية الثانية دعامتها في العقد الاجتماعي بصفة الدولة نتيجة لفعل إرادي للأفراد سيتخلى من خلاله هؤلاء عن الحالة الطبيعية بهدف تأسيس دولة، والتي سينتظمون في إطارها في شكل جماعة سياسية، ويخضعون لحاكم واحد ومشترك، فيما يفيد المقترب الثالث لنشأة الدولة إلى القوة؛ إذ الصراع بين أفراد الجماعات البشرية فيما بينها أدى في لحظة تاريخية معينة إلى تمكن فرد أو عدد من الأفراد من التغلب على باقي أفراد الجماعة، وحملهم على الخضوع لسلطانه وسيطرته، وفرض إرادته عليهم، وإلزامهم بطاعته، فالدولة هنا نظام مفروض عن طريق القوة والعنف، هذا ويشير المقترب الأخير لظهور الدولة إلى أن هذه الأخيرة لم تكن سوى نتائج المجتمع عند درجة معينة من تطوره، وترتبط أساس بالصراع الطبقي.

هذه الأفكار التي سقنا، إنما نبغي من خلالها تأكيد أن الدولة وجدت في التاريخ وفق سياقات متعددة بشكل موجز كتمهيد لما هو قادم، فالمجال هنا لا يسمح بتناول أصل الدولة ونشأتها بشكل مفصل؛ لأن ذلك يقتضي معالجته في عدة صفحات، وكما يقال «ما لا يدرك كله لا يترك جله». فلنترك هذا جانبًا وننتقل إلى مسألة ظلت وما زالت من المسلمات في أذهان الكثير منا، إذ ثمة خطأ شائع لدى الكثير ممن يشدَّد، يخلط ويعقد بين المفاهيم لدرجة المطابقة والمماهاة بين الدولة والسلطة ونظام الحكم. «فالدولة ليست السلطة أو نظام الحكم؛ إنما هي كيان اجتماعي وسياسي يرمز إلى مجتمع ما بوصفه جماعة سياسية أو مجتمعًا سياسيًّا»؛ لأن مجالها أوسع، بما لا يقاس، من مجال السلطة والنظام وفي حياد تام عنهما، فالأخيران ليسا إلا جزءًا منها أو نصابًا فيها حسب عبد الإله بلقزيز، فكثيرًا ما نسمع مصطلحات من قبيل (دولة ديمقراطية جمهورية، دولة ديكتاتورية رئاسية، دولة ذات توجه يميني، دولة ذات توجه يساري…).

فالمفاهيم التالية مردود عليها وتعد غير صحيحة، نظرًا إلى أن شكل الحكم هذا ينص عليه داخل دستور الدولة وهو الذي يحدد لنا طبيعة النظام وخانة تصنيفه، أما السلطة كمجال يخضع للصراع والتنافس الاجتماعي والسياسي، فالدولة تتعالى عليها لأنها دولة الجميع، فالمساحة المتنافس عليها داخل كنف السلطة غالبًا ما تتم بالانتخاب الذي قد يفضي إلى وصول قوى ذات توجه يميني، أو يساري؛ فالنخبة الماسكة للسلطة حينئذ تطبق برنامجها السياسي وتوجهاته، بمعنى أن هذا الأخير يمكن أن يضل ويخرج عن قواعد عمل المؤسسات في خرق تام لها وتكون النتيجة الحتمية الخلط فيما بين السلطات، والانفراد بممارسة السلطة بشكل غير عقلاني، وشخصنتها. ففي هذه الحالة لا تكون الدولة سلطوية أو ديكتاتورية، وإنما النظام هو الذي كذلك.

وبالقدر نفسه الذي يسود الخلط بين الدولة والسلطة ونظام الحكم، تطفو على السطح بعض القراءات تسوِّغ الكلام على أن الدولة والمجتمع كيانان متعارضان، كلا إن الدولة ليست سوى المجتمع منظمًا؛ أي منضبطًا لمنظومة من القواعد والقوانين التي تحفظ الحقوق والأمن والسيادة، وتوفِّر الشروط لإشباع الحاجات المادية والمعنوية واكتساب أسباب التقدم. فمقولة الدولة ضد المجتمعات تشوبها العديد من الالتباسات؛ لأن الترابط بين هذين الآخرين يقر غير ذلك، فمن الصعب أن تكون الدولة حسب الأستاذ عبد الإله بلقزيز غريبة عن المجتمع ومفروضة عليه من فوق.

 فالكتابات النظرية التي ما فتئت تذهب في البداية إلى تأسيس القطيعة والتنابذ بين الدولة والمجتمع سرعان ما ستتراجع على نحو يؤكد أنه لا مجال لإقامة عازل بين الدولة والمجتمع، أو لتصور المجتمع خارج المجال الذي تشغل الدولة جزءًا منه، فعلى سبيل المثال المساهمة النظرية الماركسية المعاصرة في شخص غرامشي عندما طورت مفهوم المجتمع المدني اشتغلت نظرية هذا الأخير بمفهومين مركزيين هما؛ الهيمنة والسيطرة، فالأول يعني به تملُّك السلطة السياسية باستعمال أدوات مادية، وهي وظيفة يعزوها إلى الدولة، أما المفهوم الثاني فيحيل حسبه إلى تعميم نظام من الأفكار والقيم والتصورات في المجتمع، وهي وظيفة يؤديها المجتمع المدني.

هكذا إذن نلاحظ نوعًا التطابق بين الدولة والمجتمع، ومستوى من التوازن في فكر تأسس على معاداة الدولة ومناقضتها، نعم، إن الالتباس والجهل المتولد نتيجة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، أصبح متجاوزًا نتيجة تصحيح قاده الفكر بمختلف تلاوينه، إذ يصعب آنيًّا التشديد على فك روابط الانسجام والاندماج بين الدولة والمجتمع في المعادلات النظرية الفكرية، إن تخطي آفة فصل الدولة عن المجتمع لم يخلصنا من الأعطاب الحاصلة في التاريخ، وإنما أدى إلى آفة أخرى لا تقل سوءًا عما ذكرناه آنفًا.

ما إن بدأت تستقر الأفكار السالف ذكرها في أذهاننا وانطلقت الدولة في ترسيخ فكرة المحايدة، وأنها نصاب متعال يعلو على المنازعات الاجتماعية الداخلية ورمز للسيادة، حتى اصطدمت بجملة من المعوقات والتحديات، تجمل كلُّها في حدَّة الآثار السلبية إثر الضربة التي تلقتها من العولمة، بات مألوفًا إذن، مع ميلاد هذه الأخيرة حدوث تراجع في هندسة الدولة، إذ حدث من الوهلة الأولى منذ امتداد الثورة الثقافية في ميادين المعلومات والاتصال والإعلام، حصول تغير في مفهوم السيادة التي تشكل ركنًا جوهريًّا من أركان الدولة. سدَّدت هذه التحولات ضربة موجعة للبقية الباقية من عناصر قوَّة الدولة وسيادتها وأدمجتها قسرًا في منظومة جديدة من العلاقات الأفقية على مستوى كوني، انتهى بها المطاف خاصة في العالم الثالث إلى خلخلة أجندتها الداخلية من اقتصاد وتعليم، وأصبح التدخل مباشرًا تمليه مؤسسات النظام الدولي المعلوم «البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي»، لتفقد بعد ذلك في نهاية المطاف أهم ما كانت تتوسل إليه أثناء مواجهة الخصوم والأعداء.

على سبيل ما سبق لا يحتاج المرء، تفسيرًا لماذا جنحنا نحو مقولة «الدفاع عن الدولة»؛ لأن هذا الكيان لم يعد قادرًا على تلقي المزيد من الضربات؛ فالنتائج السلبية والبالغة سوءًا فككتها وزادت من حدة هشاشتها، لاسيما في العالم الثالث، لدرجة أفقدتها السيطرة على المقاومة والتخلص من منازع الاستيلاء والاستحواذ الحاصل فوق عاتقها في الداخل والخارج على السواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدولة, دفاع
عرض التعليقات
تحميل المزيد