من لم يمت بالإعدام مات بالإهمال، تعددت الأسباب والموت واحد

مرت على مصر خلال أسبوعين أحداث هامة وعصيبة، عاش الناس فيها حزنًا وكمدًا على أبرياء ذهبت أرواحهم، فاستيقظ الناس صباح يوم على إعدام تسعة أنفس بريئة، تسعة أنفس لشباب ما زالوا في مقتبل أعمارهم، انقبض قلبي وانقبضت قلوب كثير ممن لا تزال في قلوبهم رأفة ورحمة، تسعة من الشباب أكبرهم في الثلاثين من عمره، والصغير منهم في الثالثة والعشرين، ماتوا مرتين، إحداهما عندما كان يحقق معهم فتم تعذيبهم بأبشع أنواع التعذيب وامتهان الكرامة وسجنوا بعدها في سجن عندما يدخله الإنسان تُخلَعُ فيه كرامته وإنسانيته خلعًا على باب السجن، فلا حقوق ولا طلبات، ولكن موت بالبطيء.

عندما يُسجن المرء في هذه السجون يشعر أنه فقد القدرة على التفكير، بل ونسي القدرة على الحياة، ونسي كل من في خارج السجن من أهل ومال وولد ووظيفة وغيرها مما نعيشه نحن ونظنه لا شيء بالنسبة لنا من نعم الله علينا، ولكن المسجون يراها كل شيء.

كم أثرت فينا صور زوجة أحد هؤلاء الشباب وهي تحمل مولودتها الأولى في المحكمة وهي لا تزال ابنة أيام قليلة لتريها أباها الذي اعتقل بعد زواجه بخمسة أشهر، ثم وهي تخبره أن ابنته قد كبرت وصار لها أسنان، ثم أخيرًا بعد إعدام والدها رأينا صورها وهي طفلة بنت أربع سنوات أو نحوها، واقشعر جلدي عندما سمعتها تقول في مداخلة هاتفية مع إحدى القنوات بعد إعدام زوجها بيوم واحد حين سألها المذيع عن ردة فعل ابنته، فقالت له: إن البنت لا تعرف والدها، فهي لم تره، ولم تجلس معه، إنه موت بطيء جدًا، يعجز المعتقل أن يضم ابنه وزوجته ووالديه ضمة واحدة لصدره، يعجز المعتقل أن يتلقى حقه في العلاج، يعجز المعتقل أن يتلقى أبسط حقوقه في طعام وشراب ونوم، يصل المعتقل بعدها لمرحلة يتمنى أن يموت فيها بعد أن ينقطع روحًا وجسدًا عن أهله وأحبته وحياته خارج السجن، يصل لمرحلة يطير فيها فرحًا وسرورًا عندما ينادى على اسمه ليدخل قاعة الإعدام ليأخذ إفراجًا نهائيًا من هذه الحياة.

عندما أعدم هؤلاء الشباب تركوا في قلب كل إنسان ألمًا، في كل من كان يحتفظ في قلبه بمثقال ذرة من إنسانية وآدمية، لكنها لم تؤثر في من نزع الله الإنسانية والرحمة من قلبه. لكني أجزم أنهم قد ارتاحت عقولهم وأبدانهم وأرواحهم مما لاقوه من تعذيب وقهر ونزع للكرامة. وكلنا استمعنا إلى أحد هؤلاء الشباب يقول: «إن في جسدي كهرباء من كثرة ما عُذِّبَ بها تكفي لإنارة مصر كلها»، ولقد قلت حين قرأت خبر إعدامهم والله لقد أراحهم الله من هذا الذل، لقد استراحوا هم، ولكن بقينا نحن نتألم لفراقهم، نكابد الذل والهوان.

ثم منذ يومين أصبحت مصر على خبر كارثي وتبعات كارثية لهذا الحدث، حادث قطار يودي بحياة 25 إنسانًا مصريًا، وإصابة 40، والأدهى من ذلك والأمر هي الصور والفيديوهات لما بعد الحادثة، فمن شخص يركض والنار مشتعلة في كل أنحاء جسمه، ومن ممسك بأولاده والنار قد التهمتهم، والطامة الكبرى كانت في صورة ذلك الشاب الذي احترق جسمه وخرج يسير خارج المحطة على قدميه عله أن يجد مكانًا للعلاج فيه، حيث لم يجد سيارة إسعاف تحمله، ثم تحمل بعد ذلك القصص لنا قصة ذلك الشاب الذي أنهى كلية الهندسة وخدم في جيش بلاده، ولما رأى السبل ضاقت به قرر السفر للخارج ليكسب لقمة عيشه، لعله أن يعود بعد سنوات ليخدم بلده ويرد جميل أهله عليه، لكنه سافر إلى خارج دنيانا ولن يعود إليها أبدًا.

أي قهر وأي فساد وأي ظلم يجعل الإنسان يعيش هكذا، لا قيمة له في هذه الدنيا، أي فساد هذا الذي يجعل أكبر محطة للقطار في مصر غير مستعدة لأي كارثة أو حادثة.

نتيجة طبيعية وطبيعية جدًا عندما وقف الجنرال يقول: «لا تطالبوني بتطوير السكك الحديدية، تطوير السكك سيكلف الدولة 10 مليارات دولار، فبدلًا عن أن نطور السكك الحديدية لو وضعناها في البنك لدرت علينا مبلغًا عظيمًا من المال».

هكذا ينظر الرئيس إلى شعبه، ليس مهمًا أن تعيشوا أو تموتوا، ليس مهما أن أقدم لكم خدمات، المهم أن أحكمكم مدى الحياة، ومن اعترض منكم كان مصيره الإعدام، ومن لم يعترض فربما كان مصيره الموت بالإهمال.

كنت أجلس منذ ساعات مع دكتور مصري يقيم هنا في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عاد للتو من مصر فتبادلنا أطراف الحديث وسألته عن أحوال الأسرة في مصر، فقال لي: كان الله في عون أهلنا في مصر، ومن كان في الخارج فليحمد الله على نعمة كونه خارجها وليبذل ما في وسعه حتى لا يعود إليها إلى أن تنكشف الغمة ويسقط حكم الظلمة.

تأملت كلامه جيدًا، وقلت في نفسي لا يمكن أن يستقيم حكم، ولا أن تنهض بلد أرخص ما فيها هو الإنسان، وشعارها يسقط الإنسان ليعيش الطغيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد