تحيط الدماء كل شيء في مصر منذ أربع سنوات، لم يعد هناك صديق أو قريب إلا فقد صاحبه أو جاره في أحداث ما. لم يحاسب مرة واحدة أي مسؤول عن إراقة أي دماء، أكتفى الجميع بالبحث عن طرف ثالث أو رابع أو تشكيل لجان لتقصي حقائق، غالبا لا تصل لنتيجة؛ إنما تؤدي دورها الإعلامي في تهدئة الشارع وضياع الحقيقة وفقط.

بداية من جمعة الغضب إبان ثورة يناير وارتقاء الشهداء في كل ميادين مصر، مروراً بمجازر ماسبيرو ومجلس الوزراء ومسرح البالون والعباسية وإستاد بورسعيد، وصولا لكارثة جديدة بإستاد الدفاع الجوي. استشهد أكثر من عشرين شابًا مصريًا، فقط لأنهم ذهبوا لمشاهدة مباراة كرة قدم!
عقب إعلان وزارة الداخلية الموافقة على حضور الجماهير، توقع الجميع إقبال الشباب المحروم من المدرجات على مباريات الدوري، وهو ما حدث. ذهب شباب الوايت نايتس لمشاهدة مبارة فريقي الزمالك وإنبي، إلى هنا تبدو الأمور واقعية ومنطقية ومقبولة.

إعلان آلية شراء التذاكر، والتوقيع على استمارة تتضمن كل بيانات الشاب رفضها الجميع، لسابق تعامل هؤلاء الشباب مع الداخلية وخوفهم من التعقب والمطاردة بعد المباريات. لم يكلف أحد نفسه بالبحث عن بديل، حتى لو كان الحل استكمال الدوري دون جماهير حفاظا على أرواح هؤلاء الشباب.
“دخلنا قفصًا حديديًا ضيقًا جدًا، لم يكن يسمح بمرور أكثر من شخص واحد، كان التفتيش يستغرق وقتا طويلا، فجأة أطلقت الشرطة قنابل الغاز على القفص الحديدي دون مبرر، حدث تدافع بسبب الغاز، شاهدنا حالات اختناق لزملائنا ولم نستطع التصرف. كان كابوسا، نجوت من الموت المحقق، شاهدت زملائي يموتون أمام عيني”.
هذه الشهاده لشاب من جمهور الزمالك، لم يكلف أحد نفسه من ببغاءات الفضائيات الاتصال بأحد الناجين من المذبحة لسماع شهادتهم، اكتفوا كالعادة بالبحث عن توقيت الحادث وعلاقته بزيارة بوتين، وآخرون شرحوا علاقة جمهور الوايت نايتس بحازم أبو إسماعيل، وتبريرات بانتماء هؤلاء الشباب لحركة ستة أبريل أو جماعة الإخوان.

 

اختصروا الحادث في سماع أي شهادات وتحليل بعيدًا عن الواقع وأهملوا تمامًا شهود العيان.

لو ذهب هؤلاء الشباب لمشاهدة المبارة دون تذاكر، هل الحل الأمني الأول هو إطلاق الغاز والخرطوش دائما؟ هل هناك ضوابط لاستخدام الغاز والخرطوش؟

حتى في قانون التظاهر ــــ غير الدستوري ــــ هناك تدرج في استخدام الأسلحة، بدءًا من استخدام مكبر الصوت لتفريق الجمهور، وخراطيم المياه وإطلاق الغاز وبعدها استخدام الخرطوش في غير مقتل. نحن نرفض القمع مع المتظاهرين، هؤلاء ليسوا متظاهرين هم جمهور كرة قدم وفقط!
ومنذ متى وفي أي مكان في العالم يكتب المشجع استمارة ليحصل على تذكرة مبارة ويجبر على دخول الإستاد عبر ممر حديدي محاط بأسلاك شائكة، فيقتلون وتُلعب المباراة ـــ ببجاحة ــــ من قبل اللاعبين بعد موت الجمهور؟

في مجزرة إستاد بورسعيد تم لحام البوابات قبل المبارة وأغلقت في وجه جمهور الأهلي؛ ليحدث تدافع. في إستاد الدفاع الجوي تم اختراع بوابة وممر حديدي وألقيت قنابل غاز؛ ليحدث تدافع. ثمة تشابه لا تغفله عين متابع.
دور الشرطة هو تأمين المبارة والجمهور، ولكن هل الشرطة مجهزة ومدربة لحماية هذا العدد من الجماهير؟ هل هناك أزمة نفسية لدى عدد من ضباط الشرطة بسبب ثورة يناير وماحدث في جمعة الغضب؟
التناول الإعلامي للمجزرة لم يتوقف عند حد التبرير بذهاب الجماهير دون تذاكر، أو محاولة إلصالق الجريمة بالإخوان، أو تصنيف الجمهور على حسب انتمائه السياسي، وقعت أغلب المواقع الصحفية في خطأ حول صياغة الحدث نفسه؛ كتابة لفظ اشتباكات صحفيا يستخدم عندما يتواجد طرفان لديهم أسلحة للاشتباك، لم يكن جمهور الزمالك مسلحًا سوى بقميص النادي والأعلام. لم يقل أي من شهود العيان أن هناك تجاوزًا واحدًا حدث من قبل الجماهير.

كالعادة في المجازر لم يخرج بيان من أي جهة رسمية يوضح حقيقة ما حدث، وزراة الداخلية اكتفت في بيانها بأن الواقعة حدثت نتيجة تدافع، ما السبب وراء إطلاق الغاز أو وجود هذا الممر الحديدي؟

لم تذكر الداخلية شيئا مفيدا. وزراة الصحة أعلنت عدد الوفيات خطأ في بيان متعجل وأشارت بوضوح إلى عدم وجود وفيات بطلق ناري أو خرطوش، وكأن الهدف من البيان تأكيد رواية الشرطة بعدم مسؤوليتها عن المجزرة. بيان النيابة العامة أكد سرعة إجراء تحقيقات حول الواقعة، هل خرجت نتيجة تحقيقات مقتل الشهيدة شيماء الصباغ، وتقرير الطب الشرعي أكد الوفاة بخرطوش تستخدمه الشرطة.
مسؤولية الحادث بوضوح ودون مواربة أو تزييف للحقائق الواضحة؛ تتحمله وزارة الداخلية، وسياسيا يتحمل السيسي دماء أي مصري يسقط في سيناء أو في التحرير.

 

هل يحتاج السيسي تفويضا لحماية جماهير الكرة أو حتى إعلان الحداد على وفاتهم؟
رحم الله شبابًا لم يعد في وطنهم مكان ليعيشوا فيه آمنين دون خوف أو قهر أو ظلم أو غاز. ربنا يرحمهم ويتقبلهم من الشهداء اللهم آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد