هكذا هي الحياة نُسافر عبر بُحورها الممتدّة، فأحيانًا تأخذ بنا إلى برّ الأمَان وأحيانًا أخرى ترمينا بين أمواجها الهائجة، تارةً نتيهُ بين دروبها الضّيقة وتارةً أخرى تفتح لنا أبوابها الشاسعة، مرة تصعد بنا أسمى المراتب، ومرّاتٍ أخرى تهوي بنا أسفل سافلين، متغيرة متقلبة لا تثبت على حال، من شدّةٍ إلى رخاء، ومن فشلٍ إلى نجاح، ومن سعادة إلى شقاء، تحمل في طيّات العُسر يسرًا وفي ثنايا الألم أملًا وفي الترح فرحًا.

هي دار اختبارٍ ومنزلُ بلاءٍ، والكيّسُ فينا من عاشها بفطنةٍ وذكاء، فعاش حُلوها شاكرًا حامدًا وعاش مرّها صابرًا راضيًا حتى ينال الدّرجات العُلا والمنازل الرفيعة.

شِئنا أم أبينا فالحياة لا تخلو من الابتلاءات، وهي واقعة لا محالة، فهناك من يبتليه الله في صحّته أو ماله أو دينه أو علمه، وهناك من يبتليه في ولده أو زوجه أو عائلته أو أصدقائه حيث قال تبارك وتعالى:  «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.» ( البقرة 155) والهدف أن يختبر درَجة إيمانك به سبحانه وتعالى لقوله: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ». (العنكبوت: 2-3)

فكيف يميّز الأستاذ تلاميذه المجتهدين والمتفوقين إذا لم يمتحنهم ويختبرهم؟ إذن فلله المثل الأعلى.

أيها القارئ لكلماتي، قد جئتك مبشّرًا لا منفِّرًا، فتأمّل معي يا رعاك الله، لعلنا نجتاز اختباراتنا بأعلى الدرجات ونمرّ منها مرور الأنقياء الأتقياء.

أيها المبتلى:

– أنت بِمَعيّة الله: حيث اصطفاك من الكثيرين وميزك عنهم وجمعك بالأنبياء والصالحين: «فعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». رواه الترمذي

فالابتلاء من سنن الله في خلقه، ولنا في قصص الأنبياء والرسل عبرًا ودروسًا: فها هو نوح ابتلاه الله بسخرية قومه وإيذائهم له، وابتلى ابراهيم بكيد قومه له وتربصهم به بإيقاد النار والعمل علي إلقائه فيها حيًا لإحراقه بها، وابتلى يونس بالتقام الحوت له،كما ابتلى أيوب بمرض فتاك، وابتلى يوسف بالسجن، وهذا نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم» وقد أصابه من الامتحان والابتلاء ما أصابه، حيث آذاه قومه وأخرجوه، وحاولوا قتله، وسلطوا عليه عبيدهم وصبيانهم يوم الطائف يرمونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين.

– أنت حبيب الله: ففي روايةٍ: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تعالى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتَلاَهُم، فمَن رَضِيَ فلَهُ الرِّضَا، ومَن سَخِطَ فلَهُ السَّخَطُ» رواه الترمذي. فأي فضل هذا وأي شرفٍ هذا الذي أنت فيه الآن!

– يفتح لك باب الانكسار والافتقار إليه والتقرب منه، فالخضوع لله حرية والذل له كرامة. فماذا تنتظر؟ ادعُ الله العون والصّبر ورفع البلاء، فلا مُنجِي لك مِنه إلا هو.

– يُطهّرك من الذنوب ويمحو خطاياك: قالَ الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا يَزَالُ البَلاَءُ بِالمُؤمنِ والمُؤمنةِ فِي نَفسِهِ ووَلدِهِ ومَالِهِ حتَّى يَلقَى اللهَ تعالى ومَا عَلَيهِ خَطِيئةٌ». رواه الترمذي

– يرفع لك الدرجات: قالَ الرسول عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم: «ما من شيء يُصِيبُ المُؤمنَ حتى الشَوكةٌ تصيبه إلاَّ كتب اللهُ له بها حسنة، أو حُطَّت عَنهُ بِها خَطِيئَةٌ». رواه مسلم

فطوبى وبشرى لك بهذه الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية!

فلَـكَ الاختيار: إما صبرٌ جميلٌ فتحظى بحياةٍ طيبة هنيئة أو غرورٌ وعنادٌ يقابلهُ معيشةً ضنكًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد