كلما سمعتُ مصطلح «الأدب النسوي» تحسستُ قلمي؛ فهذا المصطلح قامت على أساسه صناعة كاملة من إعلام خاص على وسائل التواصل الاجتماعي، نتج عنه مؤتمرات وندوات ومناقشات دارت في بعض برامج التلفاز.

وظهرت بعض الوجوه التي صنفتها كثير من الألسنة بأنها الوجوه المتميزة في «الأدب النسائي».

فما الأدب النسوي؟

أدب المرأة هو مصطلح يُطلق على الكتابة سواء أكانت روائية خيالية أم واقعية التي تناقش قضايا المرأة ومساواتها بالرجل وتمتد جذوره إلى القرن الخامس عشر الميلادي في أوروبا وتحديدًا عام 1405 بنشر الفرنسي «كريستيان دو بيزان» لـ«كتاب مدينة السيدات» ثم في عام 1429 بنشر أسطورة البطلة «جان دارك» للكاتب نفسه.

تنتمي روايات أيضـًا إلى هذا المصطلح مثل «كبرياء وتحامل» للكاتبة الإنجليزية «جين أوستن» والتي نُشرت عام 1813 تحت اسم مستعار والتي ناقشت قضية الزواج في إنجلترا في تلك الفترة المظلمة من تاريخ أوروبا.

وفي عام 1847 نشرت شارلوت برونتي قصتها «جين إير» التي ناقشت أيضـًا مشكلة الزواج بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وتبعتها كثير من المقالات والروايات مثل «نساء صغيرات» لـ لويزا ألكوت و«بيت الدمية» لهنريك ابسن وكثير كثير من الكتب التي تناقش قضايا المساواة وحقوق المرأة.

ولكن المصطلح انتشر عندنا في الوطن العربي مؤخرًا، رغم اعتراضات كاتبات كبيرات عليه مثل «غادة السمان» و«أحلام مستغانمي» رغم أن معظم ما يكتبونه يمكن أن يندرج تحت تصنيف «الأدب النسوي» الذي يناقش علاقة المرأة بالرجل ومشاعر المرأة الشخصية.

هل نحتاج إلى تصنيف أدبي للنساء فقط؟

يتعامل بعض الأدباء والمثقفين مع الكاتبات من النساء معاملة الحكومة للمرأة في الانتخابات بتوفير «كوتة» للمرأة تحميها من عدم التمثيل الجيد لها في البرلمان، فيدافعون عن مصطلح «الأدب النسائي» باعتباره حاميـًا للمرأة من «شراسة» المنافسة القائمة في عالم الكتب، فوجود هذا المصطلح وهذا التقسيم سوف يُبرز الكاتبات المتميزات ويدفعهن للظهور والشهرة وسط الرجال -الأدباء- وربما كان غرضهم خبيثـًا، فكثير من الأدباء يدّعون أن المرأة لا تستطيع الكتابة، ويفتخر بعضهم بأنه لم يقرأ كتابـًا لسيدة من قبل.

رغم أن الأديبات من النساء في عالمنا العربي لا يحتجن لحماية خاصة في عالم الأدب؛ فالنساء العربيات يعرفن الكتابة الجيدة منذ العصر الجاهلي والشاعرة «الخنساء» خير دليل على ما أقول.

أما الانتكاسة التي حدثت للكاتبات العربيات فكانت نتيجة لظروف سياسية واجتماعية همّشت دور النساء ككاتبات في العصور التالية حتى العصر الحديث.

إذن، النساء العربيات لم يعرفن الكتابة حديثـًا وإبداعهن ليس سبقـًا صحافيـًا وخبرًا إعلاميـًا.

كما أن النساء لا يكتبن فقط في مواضيع المساواة، فالمرأة بشر ولا تحتاج لمن يعطيها مساواة، بل من يعمل على تأكيد هذه المساواة حتى في استخدام المصطلحات.

ولا يمكننا أن نغفل أن حصر دور المرأة الكاتبة في مواضيع النساء والرجال يعمل على قولبة النساء في دور المرأة الحبيبة، الزوجة والأم، وكأن المرأة لا يمكن أن تخرج عن هذه القوالب الثلاثة، وتظل محتفظة بكيانها الخاص.

لا يمكنك -مثلًا- أن تُصنف كاتبة تكتب قصصـًا بوليسية بأنها تنتمي للأدب النسوي، رغم أنها يمكنها أن تتحدث عن مشاعر المرأة وعلاقتها بالرجل في هذه القصص أو في كتب أخرى، والكاتبة التي تكتب عن الاقتصاد والمجتمع كذلك، هذا الاختلال في التصنيف يخلقُ خللًا في تطبيق المصطلح موضوع حديثنا ويجعلني أرفضه بشكل شخصي.

بيت القصيد، أننا لا يمكن في القرن الواحد والعشرين أن نعمل على عزل الإبداع النسائي بحُجّة التمييز الإيجابي، وإلا عزلناه أيضـًا في العلم وأسميناه «العلم النسوي»؛ فالأدب مثله مثل العلم لا يعرف قولبة أو تصنيفـًا.

الأدب هو حالة إنسانية تُنقل من خلال خيال خِصب بكلمات مُنسقة وتعبيرات جميلة، ولا يمكن عزل هذه الحالات بعضها عن بعض، وإلا ظهرت مصطلحات تمييزية أخرى كـ «أدب اليتامى» أو «أدب المتشردين»؛ فاليتيم إنسان والمتشرد إنسان والمرأة -يا للمفاجأة- إنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد