العدلُ أساس الملك، هذه المقولة خالدةٌ في وجدان الشعوب منذ الأزل، يدركونها حفظًا وفهمًا ويدركها قادة هذه الشعوب وصُناع قرارهم أيضًا حتى لو لم يعملوا بمقتضاها في بعض الأحيان، وعلى الرغم من أنها دومًا ما تُحدَّد في إطار ضيق يكون فيه العدل مقترنًا فقط بالسلطة القضائية وحلّ النزاعات في المحاكم الجنائية والشرعية. هذا بدوره صحيح لأنه يُعدُّ جُزءًا من العدل، بل بتعبير أدقّ هو جزء ضئيل من العدالة بمفهومها الشمولي الأكبر.

العدل أو العدالة هي مصطلح فضفاض، والعدالة معيارُ قياسٍ موجود في المجالات كافّة، ومتى ما أُرفقت إحدى هذه المجالات في العدالة نجدُ عِلمًا اجتماعيًّا قائمًا بذاته، فالعدالة قد تكون عدالة سياسية، أو عدالة اجتماعية، أو عدالة صحية، أو عدالة خدماتية، أو عدالة اقتصادية… إلخ، وناقشنا مُسبقًا أنَّ العدالة الاجتماعية على سبيل المثال أصبحت نظامًا اجتماعيًّا يقود الأمم ويُحدد مسارها، وكيف أنَّ العدالة التوزيعية هي عمادُ الأمم، ومعيار النهضة، والرقي، والتطور.

وعلى ذكر العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية بمسمى آخر، فلعلَّ أعظم ما يميز مُجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج هو وجود العدالة التوزيعية قصرًا وأنواع العدالة الأخرى حصرًا بشكل جليٍّ وواضح، وبشكل لا يدعُ مجالًا للشك فيه، وإن كنت تنظر بعين الشكِّ إلى هذه الحقيقة فاسمح لي أن أوضح لك:

لنستعرض معًا صور العدالة التوزيعية في عموم وطننا العربي، ونبدأ من العدالة التوزيعية في خدمات البنية التحتية، حيثُ إنَّ جميع المناطق مخدومة بالخدمات العامة دون أي مشاكل، والطرُقات مستوية دون «حُفر» أو «تشققات» في الطريق، والطريق مُصمَّمٌ بطريقة هندسية تمنع تجمّع الماء وتكوين «بُحيرات» مائية مُصغرة شتاءً. الطُرقات أيضًا مُنارة بالإنارة الكافية بما لا يدع لمدينة على أخرى فضلاً أكبر. والأحياء السكنية نظيفة والقمامة تُجمَع يوميًّا بعد أن يفرزها أهل الحيِّ حسب سياسة التدوير المُتبعة. والأرصفة مستقيمة، مرصوفة وواسعة، ومزروعة بالنخيل والأعناب، تحاذيها ساحات اصطفاف مجانية للسيارات وممشى عُشبي للمُشاة.

البنية التحتية لا تقتصر على ما سبق، بل تتعداه إلى عدالة في إنشاء شبكات ضخّ الماء وتزويد الكهرباء التي تعمل على تزويد المنازل بالماء والكهرباء طيلة أيام الأسبوع دون انقطاع، ناهيك عن شبكات الاتصالات والهواتف المحمولة المُستقرة في شتَّى الظروف الجويَّة. انتقالًا إلى خدمات الإنترنت والبثِّ الفضائي المتوفرة بأسعار معقولة وجودة ممتازة لا تختبر قدرة تحملك، ولا تُصيبك بأمراض الضغط والذبحات الصدرية وآلام القلب لمجرد مشاهدتك لمقطع فيديو قصير على تطبيق «يوتيوب».

وبالحديث عن أمراض الضغط والذبحات الصدرية، فإنَّ العدالة التوزيعية في خدمات الرعاية الصحية لا غُبار عليها، فالحياة البشرية هي أقدس ما يمكن الحفاظ عليه في مجتمعاتنا، لذلك تجد المستشفيات العامة والميدانية منتشرة في المدن كلِّها، والضغط على مرافق القطاع الصحي يكاد يكون صفريًّا تمامًا، والنظافة في أعلى مستوياتها وكما يجب أن تكون. ومقدمو الرعاية الطبية إنسانيون إلى أقصى الحدود ويُظهرون الرحمة للمرضى دون تذمُّر أو تعب. والعلاج مجانيٌّ أو رمزيّ الرسوم ولا تحتاج لبيع كليتك اليمنى أو التبرع بالطحال والكبد لتحمل تكاليف علاج أمراض بسيطة أو مُزمنة بما أنك مشمول ضمن مظلة التأمين الطبي الحكومي.

أمّا بالحديث عن العدالة الاقتصادية، فيكون الاحتكار في التجارة مُحرَّمًا ومُجرَّمًا، وثامن المستحيلات السكوتُ عنه، فالعدالةُ التوزيعية تظهر جليًّا في توزيع الفرص الاقتصادية كالعمل والاستثمار وترتيب تلك الفرص على سُلم الرواتب والامتيازات الممنوحة لكل من الموظف والمستثمر. فالجميع سواسية في الحصول على فرصة للتوظيف، والخيار بعدها مبنيٌّ على أساس الكفاءة والجودة وحدها دون أي وجود للواسطة والمحسوبية. الحدُّ الأدنى للرواتب يكفي للعيش في مستوى متوسط من الرفاهية، العمل لستِ ساعات يوميًّا لمدة خمسةِ أيامٍ في الأسبوع أكثرُ من كافٍ، وساعات العمل الإضافي نادرة والإجازات السنوية مقدرة بـ40 يوم سنويًّا.

الفرص أيضًا لا تقتصر على الفرص التشغيلية، هناك فرصٌ تعليمية للدراسة في أفضل الجامعات المحلية والدولية، وهذا الابتعاث قائمٌ على التحصيل العلميّ دون أي «مكالمات هاتفية مسائية» أو «فناجين من القهوة السادة» في المكاتب المُغلقة، ودون مِرسالٍ يحمل «سلامًا من أبي فلان خصيصًا لك»، فالأمر غاية في الشفافية والمصداقية.

هل تُريد مزيدًا من صور العدالة، أم أنها كانت جرعةً زائدة عمّا يستوعبه العقل؟

إن كُنت تظن أنّ هذا ضرب من الخيال أو أنَّ هذا وصف للمدينة الفاضلة التي تخيّلها أفلاطون فدعني أخبرك: إنَّ كُلَّ ما سبق وصفه موجود وأكثر، ولكن في غياب العدالة احسبوا أنَّ ما كُتِب وقرأتموه من أمام مرآةٍ مستويةٍ تعكس كل ما سبق وتنفيه، أو تُحدد وجوده في منطقة ما، أو في يد شخص ما.

الخدمات التحتية اعتمدت في توزيعها على المناطق الجغرافية فتزينت العاصمة وتمَّ إهمال مدن الأطراف، واكتست أحياء السادة والساسة بالخضرة والأشجار وغرقت عشوائيات أخرى بمياه الصرف الصحي والنفايات المُكدسة وماء الأمطار والنسيان المتعمّد.

ماء السماء ينقطع عن البعض أو يصلهم ملوثًا في أنابيب مُهترئة وقديمة، ولا ينقطع عن آخرين ليضخوه في مسابح قصورهم. والمستشفيات في حالةٍ يُرثى لها، والمرضى يصطفّون على بلاط المستشفيات دون سريرٍ أو علاج، أو بوجود كليهما ولكن دون مالٍ يكفي لحجزهما، وآخرون تُقلهم طائراتٌ خاصة سفرًا إلى مستشفيات الخارج للعلاج.

الفرص بشقيها: التشغيلي والتعليمي تعتمد على المصارف والمعارف، المالُ سيد الموقف في صورة تُجلّي الاحتكار الرأسمالي وتُعيّنه رُبان المركبة، وما لا يأتي به المال تأتي به الرجال وتتدخل أيدي الصداقات والعلاقات الشخصية لتُرجِح كفة متقدمٍ على آخر وتميل بوصلة فرصة عن حيادها.

ضاعت الحقوق وتوزعت الكعكة على أساساتٍ هشّة، وأصبح الحقَّ امتيازًا يُمنح على أساس العرق، والجنس، والنسب، والدين؛ لأنَّ التمييز بين الثنائيات حلَّ محلّه، بين الذكر والأنثى، وبين صاحب المال وميسور الحال، وبين المواطن البسيط وصاحب السلطة السليط، وبين ابن المواطن المغمور وابن المسؤول المغرور.

لنعد إلى ما بدأنا به، حصلَ كلُّ هذا وزيادة فقط لغياب العدل، ولأنَّ العدلَ أساسُ المُلك فإنه عندما يحلّ العدل بمنظوره الأشمل على الجميع دون استثناء سيكون المُلك مبنيًّا على أساس أمتن. وهذا ليس حُلمًا بعيد المنال، ولدينا في جعبتنا ما يلزم من المصادر والثروات، مثل العقول، والسواعد الصادقة المُخلصة. بقي أن يأخذ العدل موضعه بوصفه «نظام التشغيل» الذي يدير هذه التُّروس بمُدخلاتها ويُحرك عجلة الإنتاج لنخرج إلى العالم بمجتمع سويٍّ متحضرٍ عادل، وهذا أفضل ما يمكن إنتاجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد