تتعدد آراء المواطنين وسط زحام الأحداث الأخيرة المتعلقة بالمصالحة الوطنية، بعد إعلان حماس تسليم إدارة قطاع غزة للسلطة الوطنية الفلسطينية، بين متأملٍ، وراجٍ، وواثقٍ بتحسن الأوضاع الداخلية على شتى الأصعدة، أو في بعض الملفات المطروحة على مائدة نقاشات المصالحة.

وكل رأي تكون وجهته في مهب الريح إذا لم يتم انتشال الوضع المعاشي من الغرق، والمتمثل في ملف موظفي غزة إلى جانب تناول موضوع مستقبل الشباب الخريجين؛ كون الفرد إن استقر في راحة معيشية كان عليه الالتفات لأي أمرٍ آخر من القضايا بشكل أسهل مما مضى، حيث أهمية تحسين الأوضاع الإنسانية حتى لو كانت بالحد الأدنى، والتي هي عنوان واتجاه المرحلة.

إن الناظر بعين المتأمل يرى سنة الشعوب أن من يحكم ويراعي شأن الناس خير من الذي يمدهم بمسكنات لتصبيرهم؛ وقد لا يصبرون. ففي حكم عمر بن الخطاب كأنموذج تاريخي، عزم على إيقاف عقوبة الحدود رغم أنها نص سماوي قرآني؛ وذلك لينتبه لحاجة الرعية أولًا، ويكفيهم قبل الحكم عليهم في شؤون أخرى. فتقديم حق البشر على حق الله كان رؤية سامية رضي الله عنها، فانتشر السلم والأمان في ربوع بلاد المسلمين آنذاك. إذن فليس من المنطقي أن يستمر الناس في غزة هكذا، وأن يُحكم عليهم بالصبر والصمود تحت ذريعة الحصار، باعتبار ذلك أحد مسارات طرق التحرير القادم «بلا معالم» في تاريخ الكفاح الوطني المسلح.

أما المواطن الناظر بعين الرجاء فلا يقل همًّا في شأنه عن المتأمل سوى أنه تعذب من مرارة ذكريات الدماء المتناثرة في الشوارع وعلى الأرصفة، بعد أحداث الانقسام البغيض الذي أضر بالجميع ولم يسلم منه أحد. ففراغ القطاع من الأجهزة الأمنية تبعه فراغًا في جوانب كثيرة، حيث هناك من فقد منصبه ومكانه في مختلف القطاعات، ومن حل دون توقع من أحد ليمثل دورًا جديدًا أكثر من كونه مكملًا، ومنهم من كان لمآرب أخرى تتعدد في قوالب جديدة حاولت مختلف الجهات الدولية أن تضع حلولًا لها دون التوصل لأي نتائج منذ اتفاق مكة إلى اللحظة، وعلى رأسها (اتفاق القاهرة 2011). فرجاء الناس أن تنتهي كل التناقضات في اجتماعات القاهرة منذ التاسع من أكتوبر وما يعقبها من أيام، وفي مقدمتها قضية الموظفين وفقًا لما صرح به أحد قيادي حماس، روحي مشتهى.

ومن جهتها علقت صحيفة لوموند الفرنسية مع قدوم الوفد الفلسطيني إلى قطاع غزة، بمضمونه: أنه رغم ندرة الأخبار السارة من الشرق الأوسط، لكن مثلت عودة الحكومة الفلسطينية إلى القطاع خبرًا سارًا، ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك.

فحبل الرجاء سينقطع للأبد إن لم يتم دفع عجلة المصالحة الحالية ولو خطوة واحدة للأمام.

وبالنسبة للواثقين في عودة المياه لمجاريها فهم أيضًا لا يقلون رؤية عن المتأملين أو المتشككين سوى أنهم مختلفون بنظرتهم في التعاطي مع الأمور بالمجمل، في ما يتعلق بكافة ملفات المصالحة وخاصة المعابر والأمن، حيث ترابط القضايا هو المنقذ والسبيل نحو انتشال المشاكل المتفاقمة من بئر كاد أن يسقط به الجميع، ويُعتبر خطوة جديرة بالثقة للتقارب والتجاذب بين الأطراف، وعودة القطاع لما كان عليه سابقًا؛ لمصلحة الناس العامة رغم أي معيقات من الجانب الإسرائيلي قد تتشابه مع ظروف الضفة، ويتناول حلولها المؤهلون لمتابعة الشأن الخارجي.

وبهذا، تزامنًا مع ذلك، أكدت وكالات أنباء أن مصر والإمارات حريصتان على استمرار دور المصالحة وعلى رأسها المجتمعية كون الإمارات ممولة لها، فيما يخص لجنة التكافل الاجتماعي.
وعلى صعيد قطر فهي لن تناقش الملف، وهو في كف مصر مقابل التصويتِ لها في عقد مونديال 2022 على أراضيها.

إذن وبغض النظر عن مفاهيمنا المعلومة والمعتادة عن كون القطاع كرة في ملعب المصالح السياسية، وأيضًا مهما كانت المصالحة بين مد وجزر، فذلك أهون من أن تكون في دوامة أوشكت أن تغرق بها غزة.

ولو قلنا ودعونا الجميع لكبح جماح الانقسام فلم يربط أي طرف لحل الأزمة سوى بتقديم ولو شيء يسير من التنازل والتساهل، وتوسيع الآفاق كي تتضح الرؤية وتشمل الجميع تحت سقف واحد، ليبقى الخيل منطلقًا مصهللًا بأنشودة الوطن الواحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد