يحكي مسلسل Gotham عن الأحداث التي مرت على هذه المدينة قبل قرابة عشرين سنة من ظهور البطل الذي ارتبطت أساسًا باسمه: “بات مان” أو “الرجل الوطواط”.

“جوثام” مدينة مظلمة حسيًّا ومعنويًّا؛ فسماؤها التي لا تكاد تخلو من الغيوم الداكنة تصنع مع مبانيها الأثرية ذات الطراز القوطي مزيجًا خاصة من الرعب الكئيب، ومن جهة أخرى، تسيطر عليها الجريمة المنظمة من خلال عصابتين كبيرتين بدرجة غير مسبوقة، حيث إن لهما أذرعًا في كل هيئة ومجال من الإعلام إلى القضاء إلى الشرطة.

يكلف هذا رؤوس الجريمة مبالغ طائلة من الرشاوى شهريًّا، لكنه يُدِرُّ عليهم أضعافًا مضاعفة من الكسب غير الشرعي، الذي – بفضل تلك العلاقات القوية مع مؤسسات الدولة- يصير مالاً نظيفًا لامعًا وقانونيًّا؛ فهم يسيطرون على أكبر المشاريع الصناعية في المدينة ومعظم الأراضي والعقارات غالية الثمن، فضلاً عن السيطرة على حركة البضائع والتجارة والبورصة.

الكل يعلم ذلك بدءًا من أصغر شرطي إلى عمدة المدينة نفسه، لكن لا أحد يجهر بهذا، والأهم أنه لا أحد يستنكر هذا! الجميع يتعايش مع هذه الحقيقة بلسان الحال: “أدينا بناكل عيش وأدينا عايشين”.

حتى ظهر المفتش الشريف والعنيد “جوردان”، شاب متحمس لا يقبل بهذا الوضع، ولا يعرف الحلول الوسط. ويواجه الجريمة في المدينة بمنتهى الحزم. ولكن الجريمة العادية غير المنظمة التي تعطي الشرطة بعض المصداقية لدى الناس، لكن – بطبيعة الحال- يأتي سريعًا الوقت الذي يتصادم فيه مع رؤوس العصابات الكبرى، ويحاول فضحها وجلبها تحت طائلة القانون، وهو ما لم يجرؤ عليه أحد قبله (كان على الطفل “بروس وين” الذي فقد والديه حديثًا أن يكبر ويصير “الرجل الوطواط” ليحمل العبء عن الرجل، ولكن هذا كان يحتاج كما قلنا إلى 20 عامًا!).

* * * *

وفي مشهد أعتبره من أكثر مشاهد المسلسل تأثيرًا، مما يصير لاحقًا إحدى الأيقونات التي يصعب أن ينساها المشاهد، أرسلت إحدى العصابتين – في أحد الصراعات الفاصلة- ثلاثة من القتلة شديدي الاحتراف إلى مركز شرطة المدينة لانتزاع المفتش “جوردان” من بين كل الضباط وقتله (شوف الجبروت!)، وفي مشهد يدل على مدى الانحطاط القيمي والأخلاقي الذي وصلت إليه الشرطة، يقف القتلة الثلاثة على مدخل المركز موضحين أنهم يريدون “جوردان” فقط، وعلى الجميع أن يغادر مركز الشرطة إن أرادوا أن يعيشوا، ومن سيبقى إلى جواره فلا يلومن إلا نفسه!

 

وينتهي الذل والخنوع وبرؤوس منكسة يغادر رجال الشرطة جميعهم المركز صامِّين آذانهم عن نداء الواجب، داهسين كرامتهم بأقدامهم، تاركين زميلهم لقمة سائغة للقتلة!

 

ويصر هو على المقاومة بمنتهى الشجاعة، فيقاتل، ويقاتل، رغم الفارق في العدد والأسلحة. ويصيب البطل منهم في مقتل، لكنه يصاب أيضًا ويسقط أرضًا، وهو يتطلع إلى آخر القتلة وهو يقترب منتظرًا منه الرصاصة التي ستنهي كل شيء. وهنا يظهر صديقه الوحيد فينقذه، وهو شخص متناغم أيضًا مع الوضع (بعد أن يئس من التغيير) ولا يحب طريقة “جوردان” الحادة في معالجة الأمور لكنه يحبه كابن له، ولا يستطيع أن يتركه ليهلك بسبب حماسته.

 

كانت العصابة تستطيع بسهولة أن ترسل سلسلة من القتلة لإنهاء المهمة. لكنها – لأسباب معقدة تتداخل فيها المصالح وتتشابك- قررت ترك “جوردان” ليعيش!

* * *

العجيب أن هذه النجاة كانت بمثابة مشكلة حقيقية من نصيب (رفاقه) في مركز الشرطة! فكيف لهم أن يواجهوه بعد ذلك؟ كيف يمكن لأي منهم أن يضع عينيه في عيني “جوردان” من جديد؟! ولهذا فقد هجره الجميع! وحتى من يتعاطف معه لا يجرؤ على الاقتراب منه لما يجلبه ذلك من متاعب.

الأعجب من ذلك أن بعضهم صرح بأنه كان يتمنى أن تنجح العصابة في مهمتها رغم عدم كراهيته السابقة للمفتش “جوردان”؛ ذلك لأنهم كلما رأوا هذا الأخير وهو ما زال حي يرزق ويقاوم المجرمين، تذكروا خستهم وانحطاطهم وانكسارهم وذلهم أمام أرباب الجريمة!

 

حقًّا إن “جوثام” لمدينة قميئة، وإن أهلها لفي غيٍّ يعمهون؛ فبدلاً من الانشغال بالمجرمين، يصبون غضبهم على من يقاوم فيعكر عليهم صفو غفتلهم. فلنحمد الله أن “جوثام” مجرد مدينة خيالية لا توجد في عالم الواقع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد