“زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً”
ابن الفارض

يرى البعض مثل محمد الشدادي أن السيرة النبوية نشأت متأثرة بسير الآباء والقديسين، وأن كتابها نسجوا على منوالها، ومن هنا فإنها قد تقرأ كتاريخ بشارة على غرار الإنجيل، ويصبح توظيف الآيات القرآنية داخلها عبارة عن إظهار للقول الحق كما في الإنجيل، يعارض التونسي هشام جعيط هذه النظرة للسيرة رغم قبوله إمكان نسج كتاب السير على منوال الأناجيل التي ثبت معرفتهم بها خاصة في استشهادات ابن إسحاق بقصة الفارقليط، موضع الخلاف بين الشديدي وجعيط هو بالذات هذه النقطة التي يعتبرها الأول دليل التشابه، أي كون السيرة إظهارًا للحق، فإعلان الحق وفقا لجعيط قائم في القرآن حيث تاريخ الدعوة بكل تفاصيلها، وبالتالي ليس ذكر ابن إسحاق للآيات داخل السيرة هو ذكر إعلاني في رأيه بل العكس هو الصحيح، فالسيرة تذكر الآية بداية، ولأنها عامة فإنها تحاول تفصيلها بعد هذا سواء بالحقيقة أو الخيال، لذا فالسيرة أقرب لكتاب في أسباب النزول أو تفسير من نوع ما منها لإنجيل، فهي علم ناشئ حول القرآن ككل علوم المدونة الإسلامية.

 

ومن هنا أي من كون السيرة عبارة عن تفسير للقرآن تنبع أهمية تناول السيرة بالقراءة، فمن خلالها نستطيع التقاط ما هو مبعد ومقصى من التفسير الرسمي للقرآن ومن الرؤية الرسمية السنية للنبوة، ولأن الهامشي أو غير الرسمي أو المقصي لا يوجد مفصولا عن السلطة بحد فاصل بل تحتويه السلطة كما يحتوي المذكر المؤنث فيما يعلمنا ميتشل، فإن علينا مهمة استخراج هذا المهمش والمبعد من داخل حتى تلك المواضع من السيرة التي تبدو أكثر قربًا من التفسير الرسمي للنبي وللوحي وللقرآن.

لو استعرضنا قصة الغار وهي من أهم إن لم تكن أهم محطات السيرة حيث تروي وقائع معاينة النبي لتجربة الوحي لأول مرة، فربما نجد داخلها في النظرة الأولى ملامح للرؤية الرسمية عن النبي محمد، وهذا ما يلاحظه هشام جعيط الذي بعد تحفظه المنهجي الشديد تجاه مرويات السيرة ورفض التعامل معها بالانتقاء أو القبول الكامل أو الرفض الكامل إلا إنه عنون للفصل المخصص لقصة الغار في كتابه “االوحي والقرآن والنبوة” بعنوان “قصة الغار ولماذا اختلقت؟”، تعبيرًا عن جزم كبير باختلاق القصة.

 

هذا الجزم يراه جعيط واضحًا في محاولة القصة تبرير عقائد معينة حول النبي محمد؛ عن أميته وعن سلبيته التامة في الرسالة، وتلك مقالات لا يمكن أن تكون تبلورت إلا مؤخرًا في ظل الحاجة للدفاع عن آلهية النص وصنع أسطورة للمؤسس محمد، وهو تطور وصل حد نفي بشرية النبي تمامًا وإلحاق سنته بالوحي كما يذكر جعيط وهذا كله يجعل قصة الغار محورًا رئيسيًا في السردية السنية الرسمية عن محمد كوعاء للوحي، هذا التفسير لأبعاد القصة من جعيط رغم وجاهته إلا أنه في ظننا لم يلتقط تلك الأبعاد الأخرى التي غذتها هذه القصة، وهي تلك الأبعاد المهمشة والمبعدة والتي لا توجد على حدود التفسير الرسمي فحسب بل في قلبه كما قلنا، وهي ما نحاول التقاطه في هذه العجالة.

 

لكي نصل لهذا البعد المقصي في قصة الغار فإن علينا ذكر قصة أخرى، نظن أن اقتصارنا على تفسير جعيط السابق قد يضعنا في مأزق من تفسير وجودها في السيرة كمحطة من أهم محطاتها أيضا، حيث أنها قصة تبعدنا كثيرًا عن التفسير الرسمي لشخصية النبي كمتلقٍ سلبي ومصطفى مختار دون إرادة منه والتي بلورتها قصة الغار في رأي جعيط، نقصد بهذا قصة الغرانيق، فهي قصة لا يمكن بحال تفسير وجودها في السيرة -سواء كانت صحيحة أم مختلقة- إلا على اعتبار أن تصور النبوة كتلق سلبي محض للنبي لكلام من الله عبر القوي الأمين جبريل لم يكن قد سيطر تمامًا على كاتبي السيرة بعد، حيث أن هذه القصة تحكي ذكرى لحظة كان الوحي فيها اتصالًا بالماوراء معرضًا تمامًا للنيل الشيطاني منه، والقرآن لو تمت قراءته قراءة تعتمد ترتيب نزوله وليس ترتيب تدوينه في المصحف العثماني فإننا ببساطة نستطيع التقاط هذه اللحظة التي كان الجن فيها قادرًا على التسمع ثم ما بعدها من لحظات أنسنة الجن وإسلامهم ومنعهم عن التسمع وتأكيد قوة وأمانة الروح الأمين وقدرته على نقل الوحي بوضوح للنبي، هذا قبل أن يصبح اسمه جبريل وهو اسم لم يظهر إلا في القرآن المدني كما يقول جعيط ليكتمل التعبير عن تجربة الاتصال المحمدي كمرحلة من مراحل الوحي الإبراهيمي، هذا التطور لمفهوم الوحي منفي تمامًا في التفسير الرسمي بالقطع الذي ينفي القصة لكي يؤكد على جبريلية الوحي من أول يوم وإبراهيمية الإسلام منذ البدء، وعلى سلبية النبي بالتأكيد.

باستحضار قصة الغرانيق كقصة أفلتت من قبضة التفسير الرسمي لمدة نستطيع اكتشاف جوانب أخرى في قصة الغار تعارض هي أيضا الرؤية الرسمية وتحمل بذور التشكيك في شرعية هذه الرؤية، فقصة الغار بتأكيدها العنف المصاحب لتجلي الوحي وهو البارز في صراع جبريل/محمد، وخوف النبي على نفسه من الجنون ثم قصة الانتحار الشهيرة ثم الذهاب لورقة عبر خديجة، يتنافى مع صورة الوحي كتبليغ إلهي يهدي النفس لا يشطرها شطرين، وكما ينفي جعيط قصة الغار ينفي تلك اللواحق، ونفي جعيط منطلقه كون ما يذكره القرآن عن أول لقاء للنبي مع جبريل أو مع الله ذاته سواء في سورة التكوير أو النجم اللتين اعتمدها بالذات كمصدر لمقاربة أول لقاء للنبي ما كائن ماورائي لا ذكر فيه أبدا لهذا العنف، بل تذكر هذه الآيات لقاءً هادئًا جدًا، لكن نظرة جعيط تظل خاطئة بسبب اقتصارها في فهم ظاهرة النبوة على السور الخاصة باللقاء بوضوح، مثل التكوير والنجم، ولا نرى أي مبرر لهذا.

 

بل لو كنا جعيطين أكثر من جعيط في اعتبار القرآن أصدق مصدر لتأريخ السيرة والبحث عن مشاهد معاينة النبي للوحي، فإن علينا النظر للقرآن كله وليس بعض سوره، حينها سنتخلص من شكوى جعيط بقلة حديث عن القرآن عن الوحي الناتج من حصره مواضع البحث في الآيات الصريحة وحدها والخاصة بأول لقاء فحسب، ونحن نقترح الذهاب بعيدا عن الآيات الصريحة نحو قصص الأنبياء خصيصا، فهذه القصص حين تقرأ رمزيًا كتحيين لتجارب أنبياء سابقين، فإننا واجدين أنفسنا أمام مصدر هام جدًا لفهم تجربة النبي، وأيضا نحو الآيات التي تتحدث عن الشك الذي مر به النبي مرارًا كجزء من هذه التجربة أثبت ذكراه القرآن.

باستحضار هذا القصص تأخذ قصة الغار أبعادًا مختلفة، حيث نجد في قصة الغار أحداثًا تحاكي قصة النبي يونس، فالهرب والرغبة في التدثير والاختفاء ليست بعيدة عن ضرب يونس في الأرض بعيدا عن صوت الله الذي أدركه رغم كل هذا داخل بطن الحوت. فإذا اعتبرنا مع جعيط السير تفسيرًا بشكل ما للقرآن، فإننا سنجد في قصة الغار إعادة تفسير لكل تلك الآيات التي تحكي مكابدة الرسل في عملية الوحي نفسها ولتلك الآيات الخاصة بشك النبي محمد “في نبوته”، إعادة تفسير تحرر تلك الآيات من التفسير الرسمي الذي درج على نفي معاني الشك من داخل النبوة انطلاقا من فكرة العصمة ونفى كون قصص الأنبياء هو قصص رمزي لمواجد محمدية حين حصرها في بعد تاريخي لا فائدة منه.

هذا النفي للشك منطلق من فهم شديد الضيق للشك كمقدمة على الإيمان أو كنفي له، وهذا يتجاهل تعدد معاني الشك في تجارب الاتصال بالمقدس، حيث الشك جزء من تجربة الإيمان ذاتها في أعلى مراحلها، هذا الشك ليس شكا في وجود الله، بل شك في الله بعد الإيمان بوجوده كما يقول بول تيليش، ليس شكًا تجاه النبوة، بل شك في “أي داخل” النبوة وجزء منها، حيث تجربة الاتصال ورغم ما يصاحبها من مشاعر غبطة وسلام وامتلاء- وهي مشاعر لا يستحضرها التصور السني الكلامي على كل حال- هي أيضا تجربة شك وعدم وخواء –أو امتلاء بالعدم إن صح تعبير كهذا- .

 

وهذا شيء يتوافق عليه تقريبا كل من عاينوا تلك التجارب، فكما يتحدث المتصوف المسيحي العظيم يعقوب بوهمه عن اللاقرار أو العدم في الإلهي، يتحدث متصوفة المسلمين الكبار عن كون الأكثر تعبدا لله هم الأكثر تحيرًا فيه، لهذا تظل تجارب الاتصال شديدة الوطأة، حتى لتشبه قصة صراع كهذا الذي خاضه النبي في قصة الغار مع جبريل، صراع يشق الأنفس ويصدع الروح تمامًا كما تصدع جبل موسى حين تجلى الله!

لذا فإن قصة الغار ليست مسرحة إلا بقدر ما قصص الأنبياء في القرآن مسرحة لمواجد يمر بها النبي محمد، وهذا يعني أن قصة الغار تفسير للقرآن ليس بمعنى التقاط معاني القرآن المعلقة في الأزل بل بمعنى إبداع ذي بنية ميثية توازي بنية القرآن الميثية وتبرز للسطح ما هو مضمر في التفاسير الرسمية المعبرة عمَّا يعتبر صحيح الإسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد