قال لي أحد أصدقائي الذين يفلسفون كل شيء؛ إنَّ كل الأحلام بالنسبة له تنتهي في ديسمبر ﻷن أغلى أحلامي انتهت فيه، قال لي إن بعض خسائرنا ترتبط تلقائيا في أعماقنا بالموسم أو الشهر الذي خسرناها فيه، وبالتالي يصبح الموسم/الشهر موسم تأبين بالنسبة لنا في كل عام، ﻷن ذكرياتنا تئن خلاله في لاوعينا، وبالتالي تمر أيام الذكرى بمرارة وحزن لا نفهم أسبابهما.
لو أنني لم أحيَ هذه الفترة من الزمن لظل عندي سقوط اﻷندلس من بين يدي آخر ملوك بني اﻷحمر هو اﻷشد خزيا وعارًا على مر اﻷزمنة والعصور، ولعشت على ذكراه وحده، ولكنني حييت.

أربع سنوات ستكتمل بعد أيام، مرت على اندلاع الثورة أو على فشلها أيهما راق لك فتغنَّ به فأنت في الحالتين على صواب، وبالطبع عندما نذكر الثورة فإننا نقصد 25 يناير فنحن أرباب العشرينات لم نعِ غيرها، ولم تبعث أرواحنا البعثة الأولى إلا عليها، ولم تتفتح عقولنا وتنبض قلوبنا إلا بها وحدها.

يناير 2011 حتى استفتاء مارس:

في البداية ظننا أننا بلغنا الجبال طولا وحققنا أقاصي اﻵمال بإزاحة نظام استبد من الزمن ثلاثين عامًا، ظل خلالها ينخر في عظام الشعب حتى أهلكه، أصبح يقتسم طعامه وأمسى يستبيح مقدراته ويستحل حرماته، لم تكن ثلاثين عامًا فحسب؛ فهتافات الثورة اﻷشهر ومطالبها الثلاثة اﻷساسية (عيش- حرية- عدالة اجتماعية) لم تكن مجرد شعار ولكنها كانت وصفا لمعاناة شعب لما يقرب من ستين عامًا من الاستبداد والفساد والرشوة، وهو لا يجني غير المرض والجهل والفقر على فقره.
ما بعد استفتاء مارس 2011 حتى 30 يونيه 2013:

فرحةٌ لم تدم طويلاً؛ فعلى الرغم من أن بداية الثورة كانت في قلب الشتاء ومن ثمَّ ننتظر الربيع، غير أننا لم نسمع من قبل عن خريف شيء يأتي قبل ربيعه ولكنه حدث، فما لبثنا أن رأينا مكاسبَ تتساقط الواحدة تلو الأخرى، وسادت حالة من التشتت والتفرُّق حتى ظننا أننا وُجِدنا في هذه الحياة كي نمكُث في المنطقة الضبابية، فلا إلى النور وصلنا ولا إلى الظلام الكامل نُسِبنا.

شتاتٌ ستلمسه عزيزي حين تقرأ هذه الكلمات وتفرَغ منها وتخرج خالِي الوفاض، حينها لا تعجب ولا تترك للدهشة مكانًا، فالكاتب يعيش معك وهو أحد أفراد مجتمع الهطل واللاوعي.

يوليو 2013 حتى الآن:

ولكي نثبت لأنفسنا أنَّ من نسي ماضيه فَقَدَ صفة الأُصولية، ولأن عروبتنا بكل ما تحمله هذه الكلمة من عفن الإرث الفكري والمعتقدات أبت أن تتركنا دون أن تضع بصمتها، فمِن فرط السُكرِ الذي أصابنا عُدنا إلى ما كنا عليه البارحة وأسوأ، بشهادةٍ منا أو دونما ندري؛ كل ما أعرفه أننا عدنا إلى قبل ما بدأنا، بجهل أو برعونة أو بإيثار النفس لا أدري. كل ما أعرفه أننا عدنا، وأننا في الحقيقة أمام ثورة ربما تلفظ آخر سكرات الموت وستقضي نحبها قريبا إن لم نستفق ونعطها قبلة الحياة.

ما بعد يناير 2015:

إذا قضيت ثورتكم -وحينها سيقتصر العزاء على أنين القلوب في دواخلنا- فسبحوا بحمد ربكم الذي في الأرض، وابتغوا تقرُبًا منه ومناصب ورضوانًا، فإذا ذهبت إلى إحدى المصالح الحكومية وغايتك قضاءُ مصلحة والمسألة أوراق، فتجنب جملة “فوت علينا بكرة” بذِكرِ الموظف ب50 جنيهًا ضمن أوراق الملف.

 

وإذا خرجتَ قاصدًا عملاً أو زيارةً أو أيّا كان السبب فسلِّم على أهلك وطُف بهم وداعًا؛ فلرُبما يطول الغياب أو لن ترجع ثانيةً. وإن كان تعامُلك هذه المرة مع أحدهم -ربنا يجعل كلامنا خفيفًا عليهم- فأوصيك بألّا تفتح فمك وألّا تنطق بِبنت شفة إلّا وأنت تحمدهُ وتقول له “جدع يا باشا”.

 

وإن اشتدّ بك الجوع وأولادك يوما فما عليك إلّا أن تقتادهم إلى أقرب صندوق قمامة كي تحصلوا على زكاة أصحاب الكروش السمينة التي سمِنت كروشهم من مصِّ دمائِهم. يومها لن يكونَ أشدُّ خزيًا وعارًا من بني اﻷحمر إلّا رجالٌ أضاعوا ثورتهم، وحينها يمكننا القول:

“لا تبكوا مثل النساء ثورةً مضاعة *** لم تحافظوا عليها مثل الرجال”.

*الافتتاحية للكاتبة السعودية “أثير عبدالله النشمي”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد