يقول محمود شاكر في كتابه «الدولة العباسية»: لقد طال عهد العباسيين فوصل إلى ما يقرب من خمسة قرون، ولقد ضعُفَت أيامهم في آخرها، إذْ زاد ظهور العصبية فقامت دول على أساسها، ولم يكن لها داعٍ لقيامها لولا فكرة العصبية التي حملتها، واللغة التي أحيتها من جديد، فظهرت الدولة السامانية، والغزنوية، والخوارزمية، ولا شك فإن الطموح السياسي كان أساسًا في نشأتها، ثم نما باسم العصبية لدوامها، ودعم الشعب لها.

كما انفصلت أجزاء عن الدولة رسميًّا، وأعلنت قيام خلافة مستقلة فيها، فكانت الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر وأجزاء من إفريقية، ولم تكن هذه الدولة الإسلامية على تفاهم في ما بينها، بل على العكس، كانت معادية بعضها البعض، وكل منها على صلة بأعداء الثانية، فالعباسيون في بغداد يصادقون حكام الفرنجة خصوم أمويي الأندلس. مع العلم أنه لا يوجد في دار الإسلام سوى خليفة واحد.

ويقول شاكر في موضع آخر من الكتاب نفسه، ومن المعلوم أن الجند إذا أُعطوا الحكم استأثروا وتفردوا به، واستبدوا وطغوا، وظلموا، فالجند إنما وُجِدوا للقتال، والقائد لا يملك طاعة جنده إلا أيام الجهاد وقتال أعداء الله، أما أن يستخدم جمعهم لتحقيق أغراضه، وقتال المسلمين وأمرائهم، وتغيير الأوضاع، فهذا أمر لا تستقيم معه الحياة الاجتماعية. وإن كان هذا لا يمنع من وجود قادة عسكريين على درجة من القوة والصلاح، ولكن لا يلبث الأمر بعدهم أن يعود إلى سابق عهده.

آثرتُ أن أبدأ هذا المقال بهذه اللمحة التاريخية المختصرة عن أثر دائين خطيرين كانا من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة الإسلامية وتمزيقها، ألا وهما: العصبية، والاستبداد.

في يونيو ويوليو 2013.. ما الذي حدث في مصر؟ ومن المسئول؟

سنوات خمس قد مرت على الأزمة المصرية التي لم تجد لها حلًّا حتى يومنا هذا، رغم كثرة الكيانات السياسية، وتتابع المبادرات، ورغم كثرة المتحدثين من الإعلاميين والسياسيين والمثقفين، ورغم ما تخُطُّه الأقلام في كل لحظة من مقالات وأطروحات، ورغم الضجيج اليومي الذي نشهده على مواقع التواصل، ومع هذا كله فالأزمة لا زالت قائمة مستمرة، حتى صرنا بحق أضحوكة العالم.

وأقول دائمًا: إن الأزمة تتمثل ابتداء في مدى فهمنا للواقع، ثم مدى استيعابنا لهذا الواقع، وذلك ما يحملنا قطعًا إلى البحث عن السبيل القويم للنجاة. وحتى يحدث ذلك، فينبغي لنا أن نتساءل: ما الذي حدث في مصر قبل الدخول في هذا النفق المظلم؟ ومن المسئول عن التبعات؟ وهل هذا الواقع نتيجة طبيعية أم لا؟ وهذا ما سوف أحاول الإجابة عنه في السطور التالية.

في الثامن والعشرين من يونيو (حزيران) 2018، نشر موقع عربي21، تقريرًا صحافيًّا بعنوان «عربي21 تنشر تفاصيل الأيام الأخيرة بين مرسي والسيسي». وأشير إلى أن المعلومات الواردة جاءت عن مسئولين عملوا مع الرئيس مرسي. ولن أتوقف كثيرًا أمام ما ذكره التقرير عن عملية الخداع، لأنني تحدثت عنها قبل ذلك، ولكنني سوف أطرح هذه التساؤلات.

كيف انطلى عليكم الخداع عامًا كاملًا، رغم أن الرئاسة معكم، ورغم وجود حزب له قواعده المنتشرة في مصر كلها، ورغم تأييد معظم الفصائل الإسلامية المتواجدة على الساحة؟ ثم لماذا سخر الرئيس مرسي من المسئول التركي الذي حذره من الانقلاب عليه؟ ثم لماذا خرجت زوجة المهندس خيرت الشاطر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، لتقول إن الشاطر غير مصدق أن السيسي قد انقلب على مرسي، فالسيسي كان صوامًا قوامًا؟ ثم لقد تم خداعكم وأنتم من تديرونها وتتعاملون مع خصومكم مباشرة، فلماذا تعنِّفون وتسبون مَن خدعهم الإعلام؟ هذا على حد زعمكم.

وبعيدًا عن الإسهاب في الحديث عن عملية الخداع، سوف أعلق على ما ذُكِر عن اللقاءات والاتصالات التي سبقت مظاهرات الثلاثين من يونيو 2013. وسوف أبدأ من هذه النقطة، ألا وهي نقل الرئيس مرسي أعمال مكتبه إلى قصر القبة الرئاسي، ونقل إقامته إلى استراحة الرئيس بملحق دار الحرس بناءً على توصيات الحرس الجمهوري. وأُذكِّر هنا بما قاله الدكتور محمد محسوب، بأن السيسي هو من أشار على جماعة الإخوان بالاعتصام في رابعة حتى يكونوا قريبين من الاتحادية! ولنتذكر هذه، في الأيام الأخيرة الرئيس مرسي يقيم في دار الحرس الجمهوري.

ثم بعد مهلة الأسبوع التي أعطاها السيسي للقوى السياسية بغية التوصل إلى حل، وذلك خلال الندوة التثقيفية في مسرح الجلاء في الثالث والعشرين من يونيو 2013، اتصل رئيس حزب الحرية والعدالة، محمد سعد الكتاتني، في مساء اليوم ذاته، بعباس كامل مدير مكتب السيسي، وطلب لقاء وزير الدفاع بشكل عاجل، وبالفعل تحدد اللقاء فورًا، فذهب الكتاتني ومعه خيرت الشاطر إلى مقر وزارة الدفاع في العباسية. في هذا اللقاء أكد السيسي أنه يتكلم باسم المجلس العسكري وكل قيادات الجيش، وأنه يطلب طلبًا واضحًا أن يترك الرئيس منصبه ولتُجرَى انتخابات رئاسية جديدة، وهذا ما رفضه الكتاتني والشاطر، فرد السيسي، إما استقالة الرئيس أو أن بحورًا من الدم سوف يشهدها الشارع المصري، وهو التحذير الذي رفضه الكتاتني. وكذلك، فإن الكتاتني قد حذر السيسي من طريق الدم، قائلًا له: أنت تريد أن تحول مصر لحرب أهلية، خاصة وأن الجماعات الإسلامية التي نبذت العنف ستجد نفسها مجبرة للعودة إلى الطريق الذي تركته سابقًا نتيجة الانقلاب على الديمقراطية، كما قال الكتاتني محذرًا السيسي من كمية السلاح التي تم تهريبها بمعرفة أجهزة أمنية بالدولة لتحويل مصر لساحة من الحرب.

وبعد حوار ساخن أصرَّ السيسي على تنفيذ أحد خيارين، فإما استقالة مرسي الفورية، أو نقل صلاحياته لرئيس حكومة محل اتفاق من قوى المعارضة، وأن يجرى استفتاء على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وفي مساء الرابع والعشرين من يونيو 2013، التقى الكتاتني برئيس المخابرات الحربية الأسبق، الفريق محمود حجازي، فسأل حجازي الكتاتني عن موقفهم مما طرحه السيسي، فرد الكتاتني بأن الرئيس مرسي ليس لديه مانع في تشكيل حكومة بصلاحيات واسعة، ولا مانع من أن يكون السيسي على رأسها لضمان جدية الرئيس. فوجئ الكتاتني برد حجازي الذي قال: إما الشروط كلها وإما لا، وخاصة استقالة الرئيس أو الاستفتاء على بقائه، واستكمل قائلًا: في حالة الرفض فإن جنزير الدبابة سوف يشتغل، ولو اشتغل لن يتوقف مرة أخرى.

وتعليقًا على هذا الذي أورده التقرير أقول: في النصف الثاني من يونيو 2013، كانت مصر منقسمة لعدة معسكرات، أولها معسكر القوة المتمثل في الجيش، وثانيها معسكر المعارضة الهشة المتمكنة من الإعلام، وهذا المعسكر قد هيمن عليه معسكر القوة، وثالثها معسكر الرئاسة وما حوله من فصائل وأحزاب إسلامية وملايين المؤيدين. وأقول إن معسكر القوة قد بدأ لعبته بالخداع، ثم تدرج حتى وصل إلى حد المصارحة بالرغبة في انتزاع الحكم، وأقول: صرَّح لمن؟ للشعب والمعارضة الهشة؟ لا، بل صرح بها فقط لمن هم في الحكم، بل وحذرهم كما ذكرت، وهذا الأسلوب في ذلك التوقيت له ما يبرره، فالذي خدع القوى والفصائل بل والرئاسة مدة عام، بل وأكثر من عام، ينبغي له أن يتمادي في لعبته السياسية التي لا قيود عليها ولا قواعد لها، هكذا هو الصراع على المُلك، وهكذا طبيعة المستبدين الذين قد تتطور أدواتهم وأداؤهم بتطور الزمان وتغير المكان، وهم لم ولن يضعوا الشعوب في حسبانهم. ثم هذا الطرف المستبد لم يتخذ الدين شعارًا حتى يخدع الجماهير، إنما رفع شعار وحدة الدولة وتحقيق المطالب.

أمَّا إذا انتقلنا للحديث عن ثالث المعسكرات، ألا وهو معسكر الرئاسة وما حوله من فصائل وأحزاب إسلامية وملايين المؤيدين، فلقد دعا هذا المعسكر أنصاره للاعتصام في رابعة، تاركًا رئيسه في حماية الحرس الجمهوري، دون أن يخبروا أي أحد بما دار بينهم وبين السيسي، إنه انعدام التقدير والتفكير، فلئن أخفى السيسي رغبته عن الشعب، فمعه القوة، ومن ثم كان عليهم إخبار الشعب بما دار بينهم وبين السيسي حتى يتحول الشعب إلى قوة تساندهم، لكنهم فضلوا الكتمان لأنهم يرون أن الأمر يخص الجماعة. وأقول: لو أن الشعب كله خرج معهم، ما كانوا سيحسنون إدارة الأزمة، لأنه بمرور الوقت اتضح أن آفتهم قديمة متوارثة، إذ إنهم لا يجيدون العمل إلا في المواضع التي يتم استخدامهم فيها. ومن بين هذه المواضع، طوابير الانتخابات التي غالبًا يتم تزويرها، لهذا تَواصل معهم عنان وغيره.

بدأ الاعتصام يوم الجمعة الثامن والعشرين من يونيو 2013، ولقد قال الدكتور محمد محسوب: إن الذي أشار عليهم بالاعتصام في رابعة هو السيسي، رغم أن السيسي هو الذي طلب منهم ترك الحكم، وأقول: أصدق الروايتين، طالما أن الإخوان المسلمين طرف فيهما، والأعجب من ذلك كله، أن يكون مرسي مقيمًا في مبنى دار الحرس، أي على بعد مئات الأمتار من ميدان رابعة! وهذا إما تحدٍ وإما استهانة، وسوف يتضح ذلك في السطور التالية.

في صباح اليوم التالي، سرت شائعة تقول بأن ميدان رابعة دخل إليه سلاح بطريقة ما. وقد تكون شائعة أطلقها المعتصمون داخل الميدان، أو أطلقها الدخلاء على الميدان، أو أنها الثالثة، لكن هذا ما قد قيل يومها.

مساء الثالث من يوليو (تموز) أعلن السيسي عن خارطة الطريق.

في فجر الرابع من يوليو وأثناء صلاة الفجر، وتحديدًا في الركعة الثانية، سمعنا صوت الرصاص يأتي من اتجاه دار الحرس، بعد الانتهاء من الصلاة سادت حالة من الهرج والضجيج والصياح، يصاحبها التأمين على دعاء دكتور صلاح سلطان الذي كان يؤم المصلين. دقائق وعاد الهدوء إلى المكان بعدما توقف صوت الرصاص، وأقول: لقد كان إطلاق الرصاص بمثابة جس نبض الجموع الملتهبة الغاضبة، وللتعرف إلى مدى جاهزية ومصداقية الفصائل في قدرتها على العودة مرة أخرى لطريق العنف كما حذر الكتاتني من ذلك، لقد كان اختبارًا من السيسي، ولقد فشلت فيه قيادات رابعة.

في الخامس من يوليو 2013، وبعد صلاة الجمعة توجهنا في مسيرة انطلقت من رابعة إلى مبنى دار الحرس بشارع صلاح سالم، والهدف اقتحام المبنى وإخراج الرئيس مرسي، وما إن وصلنا حتى قابلَنا وابل من قنابل الغاز المسيل للدموع، فأعلنها قائد المسيرة، محمد طه وهدان، عضو مكتب الإرشاد، أننا ما جئنا للعنف أو الشغب وإنما جئنا لإيصال رسالة، وهنا توقف الضرب، وعمَّ الهدوء واقتربنا من السلك الشائك، فأرسل لنا ضباط الحرس الجمهوري «كراتين» المياه المعدنية حتى نرتوي، إنها قمة الاستهانة بالألوف وبالقيادات التي تقودها إلى حيث لا يعلم أحد منهم إلى أين يسير.

– بعد ذلك انقسمت مصر إلى معسكرين: معسكر جاء برئيس ومجلس وزراء ليبدأ في إدارة شئون الدولة التي انتقلت إلى مرحلة جديدة، بينما ظل المعسكر الآخر يصرخ ويصيح فوق المنصات، ويشيد بتحمل المعتصمين حرارة الجو المرتفعة، كما أثنت بذلك بعض الصحف الأمريكية. وتمضي الأيام والسنوات، ولا زالت الأزمة قائمة، لأن الأطراف التي افتعلتها لم تفهم ولم تستوعب حتى الآن طبيعة الأزمة، والتي ألخصها في هذه الكلمات: «لقد وقع الشعب المصري منذ عقود ما بين مطرقة الاستبداد وسندان الغباء، وإن المستبد قد فهم عقلية الغبي جيدًا؛ لذلك هو يفعل به وبالجميع من خلاله ما يشاء».

وأخيرًا، هذا شيء مما شهدته مصر قبيل الدخول في أزمتها هذه، وهناك جانب آخر لا تتسع المساحة لذكره، ألا وهو الجانب المتعلق بتواصل الطرفين مع الإدارة الأمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد